توقف عمليات التداول في أسواق المال الروسية وانخفاض أسعار النفط، وانهيار أسعار الروبل أمام العملات الصعبة بمعدل يزيد عن 4% خلال أسبوع واحد، لم تعد مجرد أحداث اقتصادية، وإنما ترسم ملامح توجهات روسيا السياسية والتي يتم تحديدها وفق التمويل المتوفر.
ويعتبر برنامج بوتين الاقتصادي من الخطوات المهمة نحو دعم النظام المالي الروسي، ومساعدة الشركات والبنوك الحكومية على مواجهة مشكلة نقص السيولة النقدية وسداد مستحقات ديونها الخارجية. إلا أن تصريحات البنك المركزي الروسي بأن تنفيذ هذه الخطة لن يتم قبل نهاية العام - نظرا لأنه يحتاج تعديلات في القوانين التي تحكم عمل البنك- وانتقال الملف إلى البرلمان الروسي والذي بدا مناقشته منذ أواخر الأسبوع الماضي، يعكس تباين مصالح أطراف السلطة.
حيث وجهت البنوك والشركات الخاصة انتقادات لهذا البرنامج باعتبار انه يوجه الدعم للبنوك الحكومية التي لم تعاني من خسائر كبيرة بسبب الأزمة المالية، ويجعلها الوسيط بين الحكومة والشركات والمؤسسات المالية التي عصفت بها أزمات الأسواق المالية الروسية والعالمية، وما قد يؤدى إلى المزيد من الأزمات، خاصة وأن فوائد القروض التي ستقدمها هذه البنوك تصل إلى 20%.
أن تركيز الثروة بيد المؤسسات الحكومية لا يمكن أن يؤدى للنهوض بالسوق الحر والاقتصاد على علاقات السوق وإنما هو مركز للثروة في يد القائد الحكومي، وربط الشركات والمؤسسات الخاصة بالدولة.ومما لاشك فيه أنه يوجد فارق كبير بين تدخل الدولة في الغرب لإنقاذ الأسواق المالية من الانهيار، وبين تدخلها في روسيا لتجاوز الأزمة المالية وتداعياتها.
فالدولة هي الجهاز الذي يحمى مصالح دافعي الضرائب، ووفق حصص سداد الضرائب ستكون الشركات والمؤسسات المالية في مقدمة أصحاب الحق باستخدام الدولة لحماية مصالحها.وليس العكس، أن تكون الشركات والمؤسسات المالية في خدمة الدولة ولحمايتها.
ويبدو أن قرار الحكومة بتقديم الدعم للبنوك والشركات الحكومية لن يجعل من هذه المؤسسات الوسيط لحل أزمات بقية أطراف قطاع الأعمال في روسيا، وإنما سيمنح الحكومة إمكانية الانتقاء بين هذه الشركات لكي يبقى أو يصمد «الصالح» منها في السوق الروسي، وليذهب «السيئ» إلى الجحيم.
وتفرض علينا الأزمة الحالية الاعتراف بأن روسيا اعتمدت على عائدات النفط والغاز والاقتصاد الافتراضي المتمثل في استقطاب الاستثمارات الأجنبية لأسواق المال للمضاربة بالسندات المالية، وأهملت الاقتصاد الواقعي المنتج، بل وتم توريطه في لعبة أسواق المال، وأصبح يتأثر بتقلبات الاقتصاد الافتراضي.
ما وضع روسيا تحت رحمة الأسواق الغربية.وحتى لو لم تتفجر الأزمة المالية كان هذا الوضع سيؤدي لتوفر إمكانات للضغط على موسكو نحو إجبارها على التخلي عن مشروعها الخاص بالعالم متعدد الأقطاب. هذا يقود لاستنتاج بضرورة تنمية ودعم مختلف القطاعات الإنتاجية لتنتقل إلى مجال الاقتصاد الواقعي،لتقليص مساحة الاقتصاد الافتراضي والقائم على مضاربات الأسواق المالية.
مما لاشك فيه أن دعم النظام المالي يشكل ضرورة ملحة اليوم، حتى يقوم بمهام تمويل مشروعات الاقتصاد الواقعي الإنتاجي، ولكن المخاوف التي تحيط بهذا الحل، تستند إلى أن أقطاب النظام المالي الروسي هم في الواقع مجموعة من البيروقراطيين القدامى الذين لا يجيدون التعامل وفق أنظمة الاقتصاد الحر.
ويحققون تراكم ثرواتهم من خلال العمولات والمضاربة، ما قد يقود روسيا مرة أخرى إلى دهاليز الاقتصاد الافتراضي.ما يفرض على البرلمان إطلاق حرية عمل الرأسمال الوطني وتقديم الدعم الحكومي له بشكل كبير، وتخفيف القيود والحواجز التي تعيق عمله.
اعتماد الاقتصاد الوطني لا بد أن يكون على تنوع مصادر الدخل وتطوير القطاعات الإنتاجية التي تشكل الأصول الرأسمالية للاقتصاد الروسي، واستمرار الاعتماد على تصدير المواد الخام من مصادر الطاقة والمعادن وغيرها، حتى ولو كان يدر الآن عائدات كبيرة، إلا أنه ليس في صالح الاقتصاد الوطني على المدى البعيد، بل حتى أنه لا يجوز الحديث عن وجود اقتصاد وطني نام في ظل غياب التصنيع والمشاريع الإنتاجية.
كاتب ومحلل سياسي روسي : Luon1935@kin.ru