اليسار و اليمين أبرز مصطلحين ميزا حقبة الحرب الباردة، جبلاً من الجليد فصل بين خندقيهما على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. والحقيقة إن ذلك الاستقطاب قد فرض نفسه على المعالم المميزة لتلك الحقبة منذ بداياتها.
فقد أصبحت الأحزاب الشيوعية حجر الأساس في خندق اليسار الذي إكتسب زخماً كبيراً مع نهاية الحرب العالمية الثانية حين خرج الإتحاد السوفييتي منتصراً وتوسعت الرقعة الجغرافية التي تشاركه معتقداته، وأصبحت الأحزاب البرجوازية التقليدية، المحافظة والليبرالية ، أساساً ومرجعاً لخندق اليمين الذي تسلمت الولايات المتحدة زعامته.
في البدايات الأولى توزعت تلك الأحزاب بين الخندقين على أسس مبدئية تبنت فيها قوى اليسار قضية الطبقات المسحوقة في المجتمعات داعية إلى انتهاج سياسات إصلاحية جذرية تقلص الفوارق الطبقية وتشرك طبقات المجتمع الفقيرة في رسمها، في الوقت الذي أوغلت فيه قوى اليمين في سياساتها المتعالية على الشعوب وغالت في نهب ثروات الدول الفقيرة.
إلا أن تلك الخنادق الكلاسيكية التي حُفرت على أسس المصالح الطبقية لم تحافظ على طابعها طويلاً إذ سرعان ما توسع خندق اليسار ليضم دولاً وحركات ليس لها صلات فلسفية أو فكرية مع اليسار التقليدي ولا يجمعها معه سوى قيام تلك الدول و الحركات برفع شعارات المعاداة للغرب وللسياسة الأميركية بشكل خاص. وكما هو معلوم فإن عدداً ممن إنتمى إلى حركة عدم الانحياز كان في الواقع منحازاً بشكل تام إلى جانب المعسكر الذي يقوده الإتحاد السوفييتي.
تصنيف الدول والحركات سياسياً حسب موقعها في هذا الخندق أو ذاك لم يخل من شطط كبير ترتبت عليه أخطاء خطيرة وقعت فيها حركات اليسار في دول عديدة حين رسمت إستراتيجياتها وأقامت تحالفاتها استنادا إلى ذلك فدفعت ثمناً باهظاً. إن العداء لبعض سياسات الولايات المتحدة لا ينم بالضرورة عن تعاطف مع اليسار أو اصطفاف معه، فقد كان بين من حشر نفسه في هذا الخندق أعداء ألداء للفكر اليساري وأطروحاته.
إلا أن ما هو أخطر من ذلك هو أن تلك التجربة الغزيرة لحركات اليسار في العالم على مدى عشرات السنين تبدو وكأنها لم تستوعب بشكل صحيح ولم يوظفها أصحابها أو من إطلع عليها لاحقاً لصالح تجديد في الرؤى و السياسات. الحركات اليسارية الحديثة في أميركا الوسطى واللاتينية لا تحمل سمات يسار حقبة الحرب الباردة، فهناك مقاربات لدى بعضها للفكر والممارسة ترقى .
لأن تكون تنظيرات جديدة في سياق السعي نحو إستراتيجية إصلاحية واقعية. إلا أن هذه الحركات الطرية العود قد تكون في طريقها إلى الانزلاق نحو تحالفات ليست في صالحها على الأمد البعيد. فالإتحاد السوفييتي الذي كان حليفاً لبعض الأنظمة اليسارية في القارة اللاتينية لم يستطع في أوج قوته، لأسباب عديدة لا مجال لذكرها في هذه السطور، أن يمنع الولايات المتحدة من إسقاطها.
اليسار اللاتيني انبثق عن رغبة قوية لتحقيق حياة أفضل للشعوب الفقيرة في القارة، والرؤساء ذوو النزعة اليسارية أو القريبون منها الذين صعدوا إلى منصب الرئاسة بإرادة الناخبين في فنزويلا والبرازيل والأرجنتين وأورغواي وتشيلي وبوليفيا والإكوادور وغواتيمالا ونيكاراغوا.
على وعي بأن الولايات المتحدة لا تنظر إليهم بعين الرضى وتتحين الفرص للإطاحة بهم كما أطاحت في الماضي برؤساء عدة أبرزهم الرئيس التشيلي الراحل سلفادور أليندي مطلع سبعينات القرن المنصرم. فما الذي يقرب إيران إلى القارة اللاتينية؟، وما هي الملامح المميزة للدور الروسي؟.
قبل الإجابة عن هذين التساؤلين لا بد لنا أن نذكر بعض الحقائق في هذا السياق، حقائق لا بد من أخذها بنظر الاعتبار عند رسم السياسات.
1. دول اليسار اللاتيني على العموم فقيرة رغم غنى قارتهم بالموارد الطبيعية التي تحتاجها مختلف قطاعات الصناعة، وهذه الدول غير متطورة علمياً وتكنولوجياً إلى الدرجة التي يمكن أن تستفيد منها إيران إلا بقدر ضئيل لا يذكر.
2. المسافات الشاسعة التي تفصل إيران عن دول القارة اللاتينية لا تسمح بإقامة علاقات تعاون إلا بقدر محدود جداً. وعامل الإعاقة الجغرافي هذا لا تتغلب على آثاره السلبية سوى دول قليلة عظمى لها قواعد منتشرة في جميع أرجاء العالم ولها أساطيل تجوب المحيطات ولها تفوق كبير في مجال الفضاء يمكنها من تقريب المسافات.
3. لا وجود لمشتركات في الرؤى والفكر والثقافة والقيم بين دول اليسار اللاتيني والدولة الإيرانية.
إيران تقيم علاقات قوية مع هذه الدول وتقدم مساعدات مالية لبعضها، منها تخصيص بليون دولار للاستثمار في قطاع النفط والغاز البوليفي. وهذا أمر يستوجب التوقف، فإيران بحاجة ماسة إلى مبالغ تُستثمر في اقتصادها الذي أرهقته برامجها الطموحة في التسلح، كما أنها بهذه السياسة تزيد من حدة خلافاتها مع الولايات المتحدة التي ترى أن التسلل الإيراني إلى القارة اللاتينية بمثابة استفزاز مباشر لها.
إيران تنظر إلى علاقاتها مع اليسار اللاتيني بمنظار تكتيكي تقرب فيه أهدافها الإستراتيجية البعيدة، فهي ترى بأن مستقبل طموحاتها الكبيرة وعلى رأسها البرنامج النووي يكمن في رفع العلاقات مع روسيا إلى مستويات متقدمة، وذلك لأنها تجد في الأخيرة جداراً صلداً تستند إليه.
فروسيا والصين كانا الضامنان على مدى السنوات الماضية لمنع صدور قرارات دولية تلحق ضرراً كبيراً بإيران من جهة، وروسيا هي المجهز الوحيد للسلاح الدفاعي الذي تعول عليه طهران في مواجهة التهديدات الأميركية من جهة أخرى. فالساسة الإيرانيون الذين رسموا إستراتيجية علاقاتهم الخارجية على أسس براغماتية تراعي المصالح بالدرجة الأولى على علم تام بأن روسيا لا تقدم ذلك الدعم دون أن يكون هنالك مصلحة حقيقية لها فيه.
في هذا السياق نرى بأن ما تقوم به إيران في القارة اللاتينية قد يكون الغرض منه تقديم الدليل على قدرتها في تعزيز الإستراتيجية الروسية الجديدة التي برزت إلى العلن بعد أحداث القوقاز الأخيرة وهو رفض لعالم القطب الواحد الذي تهيمن الولايات المتحدة على مقدراته وتحركاً لتحديه ، ورغبة في توسيع دائرة نفوذها وعدم اقتصار ذلك على الجوار كما ورد في الكلمة التي ألقاها الرئيس الروسي ميد فيديف مؤخراً.
ومن المؤشرات القوية على ذلك قيام روسيا بإرسال قاذفتين نوويتين للقيام بمناورات مع فنزويلا الدولة الأكثر عداءً للولايات المتحدة في القارة اللاتينية، و عودة الأسطول الجوي الإستراتيجي الروسي إلى الطيران في الأجواء التي تخلى عنها عند انتهاء الحرب الباردة.
و قيام رئيس الوزراء بوتين بزيارة القارة اللاتينية. فروسيا تعمل على إضعاف القبضة الأميركية في المناطق ذات الأهمية الحيوية لها عن طريق العمل على إشغال الولايات المتحدة بمواجهة الأخطار التي قد تترتب على ما يجري في الساحات القريبة منها والتي تعتبر بعداً أمنياً مباشراً لها، في القارة اللاتينية نفسها.
طهران حريصة على دفع الروس للإسراع في التخلي عن السياسة المترددة في إقامة علاقات قوية وصريحة مع الدول التي تعتبرها واشنطن دولاً مارقة، حيث تأمل بأن تكون في مقدمة المستفيدين من ذلك.
كاتب عراقي : majamal@emirates.net.ae