لم تكتف روسيا فقط بإعلان تأثر اقتصادها بالأزمة المالية العالمية بل استغلت الفرصة لتوجيه انتقاداتها الحادة للنظام المالي العالمي، ووضعت خطة عملية لتغيير هذا النظام وجعله كما قال الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف «أكثر عدلا ».
فقد أعلن الرئيس ميدفيديف في لقائه الأسبوع الماضي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في سان بطرسبرج أن روسيا لديها من الاحتياطيات المالية ما يساعدها بسهولة على تجاوز الأزمة، لكنها مصممة على المضي في تغيير النظام المالي السائد في العالم والذي تدعمه مؤسسات مالية دولية تدعي أنها تساعد الدول النامية في الوقت الذي تخدم فيه مصالح وسياسات الدول الصناعية الكبرى.
وأعلن ميدفيديف بحضور أنجيلا ميركل عن تأسيس مصرف دولي جديد في روسيا يستطيع مساعدة الدول على التصدي للأزمات المالية العالمية بدون التدخل في شئوون وسياسات الدول الداخلية، وقال ميدفيديف أن «التصدي للأزمات في إطار مجموعة الثمانية الكبار والمؤسسات المالية الدولية القائمة أصبح أمرا مستحيلا وغير مجدي، ولابد من مشاركة دول أخرى في هذه المسألة حتى تصبح أكثر عدلا».
الأزمة المالية العالمية الحالية أثبتت بالدليل القاطع فشل سياسات المؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها الصندوق والبنك الدوليين اللذين دأبا دائما على تقليص دور الدولة في توجيه الاقتصاد والرقابة على المؤسسات المالية والاقتصادية، وها نحن الآن نشاهد كبرى الدول الصناعية في العالم تتدخل لتصحيح أخطاء رأس المال الخاص الكارثية.
وقد كانت روسيا على حق دائما في اتهاماتها لهذه المؤسسات وبرامجها الاقتصادية ذات التوجهات السياسية، ولهذا فإن المبادرة التي طرحها الرئيس ميدفيديف تنص على إنشاء مركز مالي دولي جديد تساهم فيه معظم دول العالم ولا تمنح فيه أية امتيازات خاصة لأية دولة مهما كانت.
وسوف يمارس هذا المركز سياسة عادلة وديمقراطية تجاه جميع لدول ، و يتوقع الخبراء أن يصبح أقوى مركز مالي في شرق أوروبا وستساهم فيه دول من كافة أنحاء العالم، ويرى رئيس هيئة السكك الحديدية الروسية رجل الأعمال فلاديمير ياكونين إن المركز المالي الجديد لن يعتمد الدولار كعملة واحدة للتعامل بل سيتعامل مع سلة عملات مختلفة ويكون الروبل الروسي هو العملة المرجعية في التقييم.
وعلى ما يبدو أن روسيا تسعى من خلال هذا المركز المالي إلى فرض عملتها الروبل بقوة على الساحة المالية الدولية، و قد أكد رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين أثناء مشاركته في جلسة مجلس وزراء دولة الوحدة (الاتحاد) بين روسيا وبيلاروسيا في السادس من أكتوبر على اهتمام الجانب الروسي بتعزيز الاتحاد النقدي عن طريق توسيع رقعة استخدام عملة الروبل الروسية لتسوية المدفوعات العائدة للسلع المتبادلة، وبالأخص استخدام الجانب البيلاروسي للعملة الروسية في دفع فواتير النفط والغاز الروسيين.
وتدفع بيلاروسيا هذه الفواتير بالعملة الأمريكية الآن. وقال بوتين إنه مندهش كثيرا من تسوية المدفوعات العائدة للصادرات الروسية بالعملة الأمريكية في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأمريكي والنظام المالي الأمريكي صعوبات وأزمات كبيرة .
ومما يدفع الرئيس البيلاروسي لوكاشينكو إلى قبول اقتراح بوتين أن الميزان التجاري البيلوروسي حقق عجزا قدره 7 ,6 مليارات دولار أمريكي لصالح روسيا خلال النصف الأول من عام 2008. وقال رئيس الوزراء البيلوروسي سيرغي سيدورسكي ما معناه أن بيلاروسيا مستعدة لاستخدام العملة الروسية.
يقول الخبير الاقتصادي الروسي يفجيني جافريلينكوف لوكالة نوفوستي «إن أكبر دليل على عدم مصداقية المؤسسات المالية الدولية الحالية أن رئيس البنك الدولي زوليك ونائبه ستراوس أبدوا ترحيبا كبيرا بخطة بولسون الأمريكية التي وافق عليها الكونجرس لمعالجة الأزمة واعتبروها خطة إطفاء الحرائق رغم اعتراف الجميع بأنها لن تحل الأزمة، وقد كانوا من قبل يرفضون تماما تدخل الدول في حل الأزمات المالية والاقتصادية.
وقال جافريلينكوف كيف يمكن أن نثق بعد الآن في هذه المؤسسات المالية الدولية التي تدار وتوجه لصالح سياسات الدولة التي تسببت سياساتها الفاشلة في أكبر كارثة مالية تهدد العالم الآن .
خبيرة بمركز الطاقة الروسي