المتابع للتطورات الدولية الأخيرة سوف يلاحظ أن هناك لاعبا جديداً أصبح يتشكل في العلاقات الدولية ينضم إلى اللاعبين التقليديين مثل الدولة أو المنظمات الدولية أو اللاعبين غير التقليديين مثل القوى غير الرسمية التي أصبحت لاعباً فاعلاً في التطورات الدولية في السنوات الأخيرة وعلى الأخص منذ انتهاء الحرب الباردة، مثل التنظيمات الإرهابية.

وعلى رأسها تنظيم القاعدة وبعض الأحزاب الإيديولوجية مثل حزب الله اللبناني والجهاد الإسلامي وحماس الفلسطينيين، وبعض القوى الاثنية في دول العالم الثالث التي تخوض حروباً من أجل الحصول على الحكم الذاتي أو الانفصال عن دول كبيرة، وهذه القوى غير الرسمية أصبحت فاعلة في العلاقات الدولية لأن القوى التقليدية مثل الدولة أو المنظمات الدولية أصبحت تعترف بها وتتعامل وتتحاور معها بصورة مباشرة في أغلب الأحيان.

وتعقد معها الصفقات في أحيان أخرى وتضع اعتباراً لمواقفها عندما تتخذ قرارات سياسية أو اقتصادية بما جعل منها فاعلاً رئيسياً في التطورات الدولية على الرغم من عدم الاعتراف الرسمي بها من قبل المجتمع الدولي.

وهى عمليات تتطلب أحياناً جهداً دولياً جماعياً للتصدي لها، وهذه العمليات كانت نشطة في الصحراء الغربية حيث الجزائر والمغرب لكنها انتقلت أخيراً إلى مصر مع عملية خطف السياح الألمان والإيطاليين قرب أسوان بها في شهر رمضان الماضي.

وهى عمليات تتطلب في غالب الأحيان تنسيقاً دولياً جماعياً للتصدي لها وإنهائها كما حدث من قبل في أكثر من عملية مشابهة آخرها العملية الأخيرة التي وقعت في مصر.

أما اللاعب الدولي الذي انضم حديثاً إلى القائمة فيضم كلاً من العصابات التي تنشط في عمليات خطف رعايا الدول المتقدمة من أجل الحصول على فدية والقراصنة الذين أصبحوا نشطين جداً في البحر الأحمر وتتوالى عمليات خطفهم للسفن لتصل أحياناً إلى أربع عمليات في اليوم، الأمر الذي دفع الاتحاد الأوروبي لأن يتخذ إجراءات جماعية للتصدي لهذا الخطر.

حيث أعلن وزير الدفاع الفرنسي، هيرف موران، أن الاتحاد وافق على إرسال قوات من أكثر من ثمان من الدول الأعضاء لتقوم بعمليات أمنية ضد أعمال القرصنة قبالة السواحل الصومالية. وقال موران: «هناك استعداد أوروبي واسع جداً لهذا الأمر، إذ يود العديد من الدول المشاركة بالعملية».

وأضاف الوزير، الذي كان يتحدث في أعقاب اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، قائلاً: «لقد حصلنا على تفويض بمواصلة التخطيط لشن مثل هذه العملية خلال شهر نوفمبر المقبل». وجاء الإعلان عن الخطوة بعد أن أفاد المجلس الدولي للملاحة (آي إم بي) ان القراصنة قاموا خلال ليلة واحدة بثلاث محاولات لاحتجاز سفن أخرى في المنطقة.

حيث ذكر القبطان بوتينجال موكوندان من المجلس أن «هنالك هجمات متواصلة للقراصنة على السفن المبحرة في خليج عدن وقبالة السواحل الصومالية».

والتشكيلات العصابية الجديدة التي تنشط في الصحراء والبحر تختلف عن التشكيلات العصابية التقليدية في أنها أكثر تنظيماً ويستغرق التخطيط والإعداد لعملياتها وقتاً طويلاً وعملياتها ناجحة في معظم الأحيان، وهناك من يرى أنها تضم ضباطاً سابقين في جيوش الدول التي تنتمي إليها وأنها تستعين بتكنولوجيا متقدمة في عملياتها.

ومهما يكن من أمر فان المؤكد أنها استطاعت أن تفرض نفسها كلاعب رئيسي في العلاقات الدولية وذلك عن طريق اعتراف الدول التي تفاوضت معها من أجل دفع الفدية أو المنظمات التي تراقب أنشطتها أو المنظمات التي تبحث عن سبل لمواجهتها عبر إجراءات متعددة الأطراف.

وهناك من يقول ان مثل هذه العصابات هي من بقايا دول أو أنظمة تهاوت، وهناك من يقول انها استخدمت في بعض الأحيان من قبل دول لمواجهة قوى مارقة عن الدولة وبالتالي فهي اكتسبت قوتها وخبرتها من هذا الوضع الاستثنائي.

ولسنا في حاجة إلى التأكيد أنها تمثل خطورة على الوضع الدولي ليس لأنها تقوم بعمليات خارجة عن القانون فحسب ولكن لما تحدثه من فوضى وعدم استقرار للوضع الدولي الإقليمي في عدة مناطق من العالم هي مناطق تشهد صراعات دولية وإقليمية تتطلب من القوى الدولية الحقيقية التركيز فيها مثل الحرب ضد الإرهاب ومثل احتواء مناطق الصراع في القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر.

ونعتقد أن هذه العصابات الصحراوية أو البحرية لم تكن لتصل إلى قوتها الراهنة إلا بسبب الفوضى التي تجتاح هذه المناطق بسبب انخراط الولايات المتحدة مباشرة في حروبها وصراعاتها من دون أن يكون لديها خبرة كافية بتضاعيفها وتفاعلاتها التاريخية، حيث قررت أن تنخرط هي مباشرة كبديل عن القوى التقليدية الأوروبية خاصة التي كانت تتولى ضبط صراعات هذه المناطق من العالم، كذلك فان انتهاء الحرب الباردة أوجد فراغات استطاعت كل من القوى غير الرسمية والتشكيلات العصابية أن تسده.

بل وتمكنت من أن تعزز مواقعها في هذه المناطق الأمر الذي أصبح التصدي لها ومواجهتها يتطلب إجراءات متعددة الأطراف يمكن أن تنجح ويمكن أيضاً أن تفشل.

وبالتأكيد فإن إرهاصات المواجهة قد بدأت لكنها تتطلب فترة من الوقت من أجل التوصل إليها وتفعيلها ولا نعلم ماذا ستفعل هذه العصابات حتى تصبح هذه الإجراءات فاعلة ومؤثرة تحقق الأهداف المطلوبة منها، فحتى ذلك الوقت كم من الجرائم سترتكب وكم من الأبرياء سيذهبون ضحايا للفوضى التي تضرب في مناطق مهمة من العالم.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com