في السياسة لا ينفع كثيراً قول الحقيقة، وكثيراً جداً ما يكون العكس بالضبط هو الصحيح، أي أن يكون من المفيد للسياسي أن يقول عكس الحقيقة بالضبط، وإن كانت الفائدة من ذلك قد تعود فقط عليه وحده.

هذه القاعدة أقرب ما تكون إلى الحقيقة في مسألة «مكافحة الإرهاب». وأنا أتصور الفائدة التي تعود على بعض أصحاب المصالح السياسية من الترويج لفكرة مكافحة الإرهاب على النحو التالي:

كل دولة تحتاج من أجل قضاء مصالحها إلى حلفاء وأصدقاء، ولكنها، وهى بصدد تحقيق بعض المصالح تحتاج أيضاً إلى أعداء، ويا حبذا لو كانوا أعداءً مخيفين، فوجود عدد مخيف يخلق مبرراً دائماً لتقييد الحريات (إذ كيف نسمح لكل صاحب رأى بأن يقول رأيه ووراءنا عدو شرس يتربص بنا؟)، كذلك فإن وجود عدو مخيف يسمح بجمع أموال كثيرة من الناس (عن طريق الضرائب) يجري تبريرها بضرورة الإنفاق على السلاح وتطويره.

وعلى شن حروب يقال إنها ضرورية لقمع العدو أو تأديبه، حتى لو كان السبب الحقيقي لهذه الحروب تحقيق أرباح لبعض الشركات من ذوي العلاقات الوثيقة بالقائمين بالحكم. ووجود عدد مخيف يسمح أيضاً بفرض النفوذ على دول صغيرة باسم حمايتها من هذا العدو، مما يسمح باستغلال هذه الدول الصغيرة اقتصادياً، واستنزاف ثروتها، وضمان تبعيتها في تحقيق كل ما تريده الدولة الكبيرة منها.

ليس من المضمون دائماً وجود هذا العدو المخيف، إذ أن الناس بصفة عامة مسالمون أكثر مما نظن، ويفضلون بصفة عامة العيش في سلام وطمأنينة ويكرهون الاشتراك في حرب أو التعرض للهجوم. كان الأمر أسهل نسبياً عندما كانت الحروب تشن بالطرق التقليدية، وقبل التمكن من صنع القنبلة النووية وتعدد الدول القادرة على صنعها.

كان تنافس الدول الاستعمارية حتى الحرب العالمية الثانية يضمن توفر العدو المخيف، ويمّد كل دولة منها بمبررات التخويف المستمر إذ كان هناك بالفعل دول منافسة كبيرة وقوية وتمثل تهديداً حقيقياً لأمن البلاد.

أما الآن، فمن أين يأتي التهديد الحقيقي؟ الدول الفاشية والنازية تم دحرها وأصبحت من الحلفاء، والشيوعية سقطت وتفككت دولتها، وتحولت أيضاً ما يشبه الحليف. وحتى الدول التي ينمو اقتصادها بسرعة مخيفة، كالصين مثلاً، وتمثل خطراً اقتصادياً قد يتحول إلى تهديد للأمن، ليس من السهل معاداتها بالنظر إلى الحاجة الشديدة إلى أسواقها وسلعها ومجالات الاستثمار فيها.

في هذا المناخ الدولي الذي يصعب فيه العثور على عدوّ مخيف يحقق الأغراض الثلاثة التي ذكرتها منذ قليل، أي شيء أنسب من رفع شعار «مكافحة الإرهاب» هكذا دون تحديد واضح لمعنى الإرهاب أو مواصفاته أو مكانه أو أفكاره أو أهدافه؟ إن «الإرهاب» في الاستعمال الجاري للكلمة من جانب وسائل الإعلام، وفى خطب وتصريحات السياسيين، شيء غامض للغاية لا يعرف له أصل ولا شكل ولا لون ولا رائحة.

(ولهذا تلاحظ كثرة وضع كلمة «الإرهاب» بين قوسين، إشارة إلى أن للقارئ أن يفهمها كما يشاء). ولكن الجميع يؤكدون وجوده بل وانتشاره في كل مكان، واختباءه خلف كل ستار، وتحت كل حجر.

فإذا كان الهدف المطلوب تحقيقه يحتاج إلى اتخاذ إجراء في منطقة غنية بالبترول قيل إن الإرهابي عربي مسلم، وإذا كان المطلوب اتخاذ إجراء في دولة أوروبية قيل إن الإرهابي مسلم بريطاني، أو أسباني متطرف، أما إذا كان المطلوب اتخاذ إجراء في الصين قيل إن المتطرف صيني مسلم.

وإذا مرّت فترة طويلة دون أن يحدث حادث يمكن نسبته إلى الإرهاب، مما يخشى معه أن ينسى الناس الأمر، وتظهر بوادر التذمر من كثرة القيود المفروضة على حركة الناس وحريتهم وخصوصيتهم باسم مكافحة الإرهاب، أصبح من اللازم ترتيب حادث إرهابي جديد، وتزيد الجرعة المخصصة لموضوع الإرهاب في الإعلام والتصريحات الرسمية.

وقد رؤى أيضاً أن من المفيد (بل من الضروري) ألا تقتصر جهود مكافحة الإرهاب على مجموعة من الدول دون أخرى، إذ قد يبدو أمراً هزلياً أن يجرى تفتيش الركاب تفتيشاً دقيقاً في واشنطن ولا يجري تفتيشهم في لندن أو القاهرة أو عّمان.. الخ. يجب أن يتم التنسيق بين جهود مكافحة الإرهاب في مختلف الدول.

بل ولابد أن يطلب من كل دولة أن تزوّد الدول الأخرى المهتمة بالأمر بكل المعلومات التي تتوفر لديها عن أي قادم إليها أو مغادر لها، فإذا بكل شخص يجد تفاصيل حياته محفوظة في أجهزة تخزين المعلومات لتستخدم عند اللزوم، بما في ذلك أسماء الكتب التي قد يكون قد طلب قراءتها أو استعارتها في إحدى المكتبات العامة. ألا يمكن أن يدل نوع الكتب التي يقرأها على نوع تفكيره، وعن درجة قوة مشاعره الإرهابية، ومدى احتمال قيامه يوماً بعمل إرهابي؟

إن المسؤولين عن تنظيم هذه الحملات «لمكافحة الإرهاب»، والقائمين بتنفيذها، قد يكونون قد فكروا طويلاً في مختلف المنافع والتكاليف التي تؤدي إليها هذه الحملات، ولكن هناك بنداً واحداً من بنود التكاليف يبدو أنه لم يخطر لهم على بال، أو على الأقل لم يقدروا حجمه بما يستحق.

وأقصد بذلك ما تخلقه إجراءات «مكافحة الإرهاب» من توتر في مشاعر الناس، يزداد يوماً بعد يوم، ومن تبديد للشعور بالطمأنينة والثقة بالآخرين، وإثارة الشعور بالتشاؤم والخوف من المستقبل دون أن يدري المرء من أين جاءه هذا الشعور، ومن أين جاءته كل هذه الشكوك والمخاوف، حتى يخشى أن يبدأ المرء في الشك في المقربين إليه، بل وحتى في نفسه، إذ ربما يصل الحال بالمرء أن يسأل نفسه عندما يستيقظ كل صباح: «هل أنا إرهابي؟»

كاتب مصري

sgsaafan@gmail.com