فوجئت واستغربت في الوقت ذاته، حين سألني عدد من مراسلي الفضائيات عن تقييمي لحصاد انتفاضة الأقصى بعد ثماني سنوات على اندلاعها الذي يصادف الثامن والعشرين من سبتمبر الماضي.

مصدر المفاجأة كان أن ذكرى اندلاع «الانتفاضة» قد حلت ومرت دون أي اهتمام يذكر من قبل القوى والفصائل السياسية التي تعتبر نفسها «أم الولد»، واستغربت لأن «الانتفاضة» التي يسألون عنها قد أصبحت «في خبر كان»، وقد تجاوزتها أحداث ضخمة كثيرة، دون أن ينتبه أحد أو يعرف أحد متى توقفت، وما إذا كانت استمرت لأربع أو خمس سنوات أو أكثر أو أقل.

ومع أن عدد ضحايا «الانتفاضة» التي يتقصد البعض السؤال عن نتائجها، قد تجاوز خمسة آلاف وسبعمائة شهيد، من بينهم مئات النساء ومئات الأطفال، وآلاف الجرحى والمعتقلين، إلا أن ذلك الحدث الضخم بدأ وانتهى بدون أن يخضع لعملية تقييم جدية وجماعية، تضع النقاط على الحروف بشأن إنجازاتها وإخفاقاتها.

وإذا كان سؤال بعض مراسلي الفضائيات مرجعه البحث عن إنجازات وإيجابيات كبيرة تسجل لصالح وجهة نظر معينة، فإن ثمة وجهات نظر أخرى كثيرة في الساحة الفلسطينية ترى أن «انتفاضة الأقصى» قد أرجعت، بنتائجها ومآلاتها، عقارب الساعة الفلسطينية إلى الوراء. فالواقع أن «الانتفاضة» التي اندلعت في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2000، جاءت في حينه كمحصلة تلاقت حول ضرورتها، واختلفت حول مبرراتها ودوافعها، الإرادتان المتناقضتان الفلسطينية والإسرائيلية.

«الانتفاضة» اندلعت بعد المفاوضات المكثفة والفاشلة التي جرت بين وفدين فلسطيني برئاسة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وإسرائيلي برئاسة رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك العمالي إيهود باراك، وبحضور وإشراف مكثف من قبل الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون ووزيرة خارجيته مادلين أولبرايت على رأس طاقم إدارتها.

كانت القيادة الفلسطينية في حينه ترغب في اندلاع انتفاضة لأيام محدودة، لكي تظهر مدى التأييد الشعبي لموقفها الذي رفض القبول بصفقه لا تلبي المصالح الفلسطينية، ورفع «لا» كبيرة في وجه رئيس أعظم دولة على وجه الأرض، وكانت حكومة باراك ترغب أيضاً في معاقبة الفلسطينيين واتهامهم بأن عليهم أن يرضوا وينصاعوا للحل الذي يلبي مصالح إسرائيل.

غير أن ثمة عوامل أخرى على ضفتي الصراع، فلقد كان الوضع الفلسطيني الداخلي يعيش حاله احتقان شديدة بسبب فشل خيار أوسلو، وبسبب سوء الإدارة، واتساع دائرة الفساد بكل أشكاله وأنواعه، فيما كانت الساحة السياسية الإسرائيلية تشهد حراكاً لصالح اليمين الذي يتزعمه أرييل شارون، والذي فاز في الانتخابات العامة التي جرت في فبراير 2001.

كانت المؤشرات الواقعية على الأرض قبل مفاوضات كامب ديفيد تشير إلى تصاعد حمى الاستعدادات الإسرائيلية لخوض مجابهات واسعة وعنيفة مع الفلسطينيين، ولذلك جاءت الشرارة الأولى من الجانب الإسرائيلي، حين سمح باراك لرئيس المعارضة اليمينية شارون بتدنيس الحرم القدسي الشريف، تحرسه الشرطة الرسمية وكأنه كان يعرف أن الفلسطينيين سيواجهونه بأقصى ما يملكون، خصوصاً وأنهم أيضاً ينتظرون الفرصة والمبرر.

من حيث المبدأ، يمكن أن يغطي مصطلح الانتفاضة الأشهر الثلاثة الأولى منذ تفجر الأوضاع، ذلك أن المجابهات اتخذت طابعاً شعبياً واسعاً شمل كافة المناطق المحتلة، بالرغم من أن العنف الإسرائيلي بدأ مبكراً جداً، غير أن أحداث الصراع اتخذت طابع المجابهات العنيفة والمسلحة طيلة المرحلة التي تلت الأشهر الثلاثة الأولى.

فقد تعمدت إسرائيل فرض الطابع العنيف والمسلح على الأحداث، لإفقاد الفلسطينيين الميزة التي نجحت في تحقيقها الانتفاضة الشعبية الكبرى عام 1987، ولأن المواجهات المسلحة ستُمكِّن إسرائيل من تبرير الأهداف التي سعت لتحقيقها، خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في أميركا.

إسرائيل نجحت في جر الفلسطينيين إلى الميدان الذي يناسبها وتتفوق فيه، ثم جاءت الأحداث في أميركا لتساعد إسرائيل على تسويق تهمة «الإرهاب» بالفلسطينيين. كان شارون قد قرر التخلص من اتفاقية أوسلو حتى ينفذ خطته التي تقع تحت عنوان «الحل المرحلي بعيد المدى»، الذي يقوم على آلية الفصل أحادي الجانب، ولذلك جرد حملة السور الواقي في التاسع والعشرين من مارس 2002، وأعاد احتلال الضفة الغربية، وحاصر الرئيس الراحل عرفات في مقر المقاطعة برام الله واعتبره غير ذي صلة وبأنه لا يصلح شريكاً للسلام.

لم تتمكن القيادة الفلسطينية من السيطرة، وتواصلت الأحداث الصعبة بإرادة إسرائيلية لتغطية مفاصل خطة شارون، وخلق المزيد والكثير من الوقائع العنيدة على الأرض بما يعطل أي تسوية لاحقة.

قام شارون بعد احتلال الضفة وتحت ذريعة الأمن، ببناء جدار الفصل العنصري وتكثيف الاستيطان في الضفة الغربية، وتسريع الإجراءات لتهويد القدس وتغيير معالمها وعزلها عن جنوب وشمال الضفة، ثم قام بتقطيع أوصال الضفة الغربية من خلال مئات الحواجز والمعابر العسكرية، حتى تحولت إلى كانتونات معزولة غير متواصلة جغرافياً، بالإضافة إلى عزل الضفة عن غزة.

وفي شهر سبتمبر 2005 نفذ شارون فصلاً آخر من خطته، حين أخرج قواته وأزال المستوطنات من قطاع غزة الذي تحول إلى سجن كبير، لكي يخلق أرضية صالحة لاندلاع صراع فلسطيني كما صرح بذلك.

حينذاك أصبحت الضفة تحت الاحتلال وتراجعت وتائر المقاومة فيها، وأيضاً في قطاع غزة، وليصبح إطلاق الصواريخ المظهر الرئيسي للمقاومة في القطاع المأسور، وليشكل كل ذلك مقدمات ما جرى من انتخابات فلسطينية، حيث فازت حماس بأغلبية مقاعد التشريعي، لتبدأ مرحلة من الصراع الداخلي المرير، وصولاً إلى انقلاب حماس وسيطرتها على قطاع غزة وبدء مرحلة الانقسام الفلسطيني الكبير والخطير.

هكذا ومثلما لا نستطيع تحديد توقيت انتهاء انتفاضة الأقصى، فإننا لا نستطيع تحديد من انتفض على من، هل انتفض الإسرائيليون على الفلسطينيين أم العكس؟ ولكن المؤكد على الجانب الداخلي أن الفلسطينيين انتفضوا ضد بعضهم البعض، مما أدخل الوضع الفلسطيني برمته في مرحلة شديدة الخطر على حاضرهم ومستقبلهم.

وإذا كان هذا هو سياق تطور الأحداث التي رافقت اندلاع الانتفاضة منذ يومها الأول، فإننا نترك للقارئ الكريم فرصة تقييم نتائج تلك الانتفاضة انطلاقاً من الوقائع التي تشهدها ساحة الصراع اليوم، بما في ذلك الوقائع المحزنة التي تُشكل المشهد الفلسطيني الراهن، والذي لا يكيد عدواً ولا يسر صديقا.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com