بعد أن هُزم الألمان في الحرب العالمية الثانية، بدأ اليهود بتسويق مأساة «المحرقة» التي استطاعوا بعد مدة قصيرة أن يقنعوا العالم بأن هتلر النازي قد أحرق فعلاً ستة ملايين يهودي ـ مع العلم بأن أوروبا كان فيها ستة ملايين وخمسمئة ألف يهودي، أي من المفروض أن يكون اليهود قد أبيدوا بعد هذه المحرقة ـ فانقلب العالم كله ضد النازية، وحملت ألمانيا وزر ذلك العمل الذي قام به هتلر، والذي يقع حتى اليوم بين التأييد والمعارضة من قبل الألمان.

عدت قبل أيام من برلين، وفي زيارتي تلك جلست إلى بعض المثقفين الألمان لأسألهم عن تأثير «الهولوكوست» على الشعب الألماني. سمعت آراءً عديدة، إلا أن أحد الكتّاب الألمان قال لي إن اليهود سعوا جاهدين لإسقاط ألمانيا وتدميرها عسكرياً واقتصادياً ونفسياً أيضاً بعد الحرب.

واتخذوا من المحرقة ـ التي لا يؤمن بها ـ ذريعة لذلك. فسوّغوا لأنفسهم فرض الإتاوات والغرامات على الحكومة الألمانية التي دفعتها دون تردد. ثم فرضوا على الحكومة منع تسمية أي شخص «أدولف هتلر» فرضخت لذلك، بل إن من يؤدي تحية هتلر يزج به في السجن حسب القانون. وإلى اليوم ما زالت كل وزارة ألمانية تدفع لنظيرتها في إسرائيل مبالغ مالية سنوية تعويضاً لها عن المحرقة!

فسألته ولماذا قبلتم بذلك؟ فقال لي بأن الحكومة كانت بين خيارين، الأول أن تنفي المحرقة وتدخل في صراع دموي، إعلامي ومالي وربما عسكري مع حلفاء اليهود، قد يستمر عدة سنوات يدمّر فيها البلد أكثر مما لحق به من دمار جرّاء الحرب العالمية الثانية.

والخيار الثاني هو أن تقبل الحكومة بكل ما يقوله «المنتصر» وتعطيه ما يريد ليتركها في حال سبيلها، فاختارت الدولة والشعب الخيار الثاني، وانطلق الجميعـ رغم اهانة الأميركان لهم بفرض وصايتهم على أعظم دول العالم ـ يعمل بجد واجتهاد لإعادة بناء ألمانيا الجديدة، وتم تسخير جميع طاقات الشعب وخبراته في بناء الدولة.

ثم قال: «لم نبكِ على أخطائنا ولم نندب حظّنا، بل اعترفنا بأخطائنا وانتقدنا أسلافنا، ثم وضعنا خطة وشرعنا في تطبيقها. ولو أننا استمعنا لما يقوله العدو لبقينا حتى اليوم نجلد أنفسنا ونؤنّبها، على ما اقترفه آباؤنا في الحرب العالمية من جرائم وما ألحقوه بالعالم من دمار».

في نفس الوقت، وعلى الضفّة الأخرى من العالم، رزح شعب تحت وطأة الهزيمة، حيث كان اليابانيون حلفاء الألمان، وإن كانوا ينافسونهم في المجازر والدمار. عندما هزمت اليابان ووضعت تحت الوصاية الأميركية أيضاً، نزح بعض اليابانيين إلى القصر الإمبراطوري بعد أن أعلن الإمبراطور أنه ليس إلهاً كما يعتقد الشعب، فلو كان إلها لما هزموا. فبقروا بطونهم أمام قصره فيما يعرف «بالهاريكاري» أو طريقة الموت الشريف لدى اليابانيين، فبعد أن فقدوا إلههم لم يبق لهم ما يعيشون من أجله.

أما الإمبراطور فقد خيّر شعبه بين أمرين، الأول أن يبكوا على ما حاق بهم من دمار، والثاني أن يتناسوا الهزيمة ويركّزوا كل طاقاتهم في الصناعة، علّهم أن يجدوا مخرجاً مما هم فيه ويبنوا لهم مجداً جديداً.

فاختار الشعب الخيار الثاني، وأعلن الإمبراطور الاستسلام، وبدت اليابان بعد القنبلتين النوويتين اللتين ألقتهما عليها أميركا وكأنّها مخيّم للاجئين. لقد كانت هزيمتهم النفسية أكبر من هزائمهم العسكرية والاقتصادية والجسدية مجتمعة، فبعد أن كانت اليابان الدولة الإمبريالية الأولى في آسيا، تحولت بين ليلة وضحاها إلى مستعمرة أميركية، وتحول شعبها إلى فئران تجارب مشوّهة.

على الرغم من كل ذلك، شرع اليابانيون يطرقون أبواب الصناعة بمختلف أنواعها، حتى عندما كانت بضاعتهم مثالاً للبضائع التقليدية رديئة الجودة، كانوا فخورين بها، ولكنهم أيضاً كانوا يعترفون بأنها رديئة، إلا أنهم لم يقفوا عند تلك الحقيقة، بل سعوا لكي يطوّروا من أداء مصانعهم، وبعد أن جاءهم الأميركي «دمنج» مؤسس علم الجودة، تحولت مصانعهم في عقود قليلة إلى معامل تخرج منها مفاهيم جديدة في إدارة الجودة، وتحوّلت جملة «صنع في اليابان» إلى عنوان لجودة الصناعة العالمية.

إن لوم النفس شيء ضروري، بل إن الله تعالى قد أقسم بالنفس اللوامة في كتابه العزيز، وكل أمة في حاجة إلى لوم أو نقد ذاتها بين الفينة والأخرى، لتعلم أين هي من هذا العالم الكبير، وأين موقعها من سلّم الحضارة وركب التقدم. ولكن هناك خطا رفيعا بين النقد والجلد، فمن ينقد نفسه يقف على مشكلاته وينظر إليها بعقلانية من يريد التغيير والإصلاح، فيبرز الحلول ويضع الخطط لتطبيقها. أما من يجلد ذاته فإنه يهرب إلى داخل نفسه المليئة بالنقص، فينزوي على آلامه في ظن منه أنّه عاجز عن التغيير، فهو بذلك يسعى لإراحة نفسه ولكن بشقائها.

إننا نجلد أنفسنا كثيراً، ونبحث في المقابل عن رموز من التاريخ لنكون نسخاً مصغرة منها حتى نشعر بأننا أنجزنا شيئاً، ودائماً ما نسمع من يتحدث عن هذا البطل المغوار أو ذلك العالم الفذ، ثم يقول: «أين نحن من هؤلاء.. وأين زماننا من زمانهم»!

نعم، أين زماننا من زمانهم؟ نحن لنا وقتنا وظروفنا، وهم لم وقتهم وظروفهم. لا بأس من أن نستفيد من تجاربهم ما يناسبنا، لا ما نظن أنه صحيح، فالأفضل بالأمس ليس بالضرورة أن يكون الأفضل اليوم.

إننا نعبر كل يوم عبر الخط الرفيع الواقع بين النقد والجلد دون أن نشعر بذلك، وفي أحيانٍ كثيرة نعبر تجاه الأخير دون أن نعود إلى الأول، لأننا نكون قد فقدنا البوصلة حينها. في كل يوم تزداد «سياطنا» غلظة وشدة على جلودنا التي أرهقتها الحياة بلاوائها وشدّتها، وتزداد نفوسنا غربة عن أجسادنا التي غادرناها إلى الداخل، دون أن نقطع تذكرة عودة إلى ما قبل الخط الفاصل.. فهل آن أوان العودة؟

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com