بعد الحرب في القوقاز ساد اعتقاد في العالم بأن روسيا ستسعى لاستعادة مكانتها الدولية باستعراض قوتها العسكرية ونشر هذه القوة في أنحاء العالم، خاصة بعد الاهتمام البالغ من بعض دول أميركا اللاتينية مثل فنزويلا وبوليفيا بالتعاون العسكري مع روسيا وترحيبهما باستضافة قواعد عسكرية روسية على أراضيهما، الأمر الذي من الممكن أن يصعد الصراع بين موسكو وواشنطن التي لن تطيق وجود قواعد روسية في حديقتها الجنوبية.
و جاءت زيارة الرئيس الفنزويلي شافيز لروسيا الأيام الماضية لتزيل لدى الأميركيين مخاوفهم من التعاون العسكري بين روسيا و فنزويلا، رغم اتفاقيات شراء السلاح الروسي التي وقعها شافيز، فوجود السلاح الروسي في أميركا اللاتينية أمر عادي اعتادت عليه واشنطن أما وجود قواعد عسكرية روسية فهو الأمر الذي بالقطع لا تطيقه واشنطن .
وعلى ما يبدو أن روسيا أيضا لا تريد الدخول مع الولايات المتحدة في صراعات عسكرية في أميركا اللاتينية، فالسياسة الخارجية الجديدة لموسكو تضع الانتشار العسكري الخارجي في أسفل قائمة الأولويات من منطلق رفض موسكو الخوض في حرب باردة جديدة، ولكن هذا لا يعني أن موسكو ستترك الحديقة الجنوبية لأميركا هادئة، بل ستخوض فيها صراعا آخر مع واشنطن ربما يكون أكثر أهمية وفاعلية وتأثيرا.
وهو الصراع الاقتصادي، والذي جرت العادة على التخفيف من حدته بتسميته منافسة وليس صراعا، رغم أنه بات أخطر وأكثر ضراوة من الصراع العسكري، خاصة مع التنافس الشديد على مصادر الطاقة وتزايد حدة الأزمات الاقتصادية والمالية التي أصبحت بمثابة كوارث تهدد ليس فقط الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة بل تهدد العالم كله، إلا أن المنافسة فيها مازالت مقبولة ولا تلقى بعد الاعتراضات الحادة، ولهذا قررت روسيا منافسة الولايات المتحدة في أسواق أميركا اللاتينية وخاصة أسواق الطاقة .
فقد وقعت روسيا وفنزويلا خلال زيارة الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز لروسيا مذكرة لتكوين اتحاد (كونسورتيوم) يجمع الشركة الوطنية الفنزويلية وعددا من الشركات الروسية على رأسها «غازبروم» للعمل في مجال النفط والغاز.
وحسب معلومات «غازبروم» فإن فنزويلا تملك ثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في نصف الكرة الأرضية الغربي بعد الولايات المتحدة الأميركية - 1.4 تريليونات متر مكعب - وتنتج نحو 30 مليار متر مكعب في السنة. ويوجد في فنزويلا 7% من احتياطي العالم من النفط أو 2,11 مليار طن، وتحكم روسيا في هذا الإنتاج الضخم سوف يؤثر بشكل كبير على الولايات المتحدة التي تحتكر أكثر من نصف إنتاج أميركا اللاتينية من النفط والغاز.
وكانت شركة «غازبروم» التي تدير الصادرات الروسية من الغاز الطبيعي قد وقعت اتفاقية مع بلد أميركي لاتيني آخر هو بوليفيا قبل أيام.
ويرى الخبراء أن الاتفاقيات التي توقعها «غازبروم» مع بلدان أميركا اللاتينية تقف وراءها مصالح موسكو السياسية، إذ يتيح ذلك لروسيا ممارسة الضغوط على الولايات المتحدة التي تتطلع للحصول على الغاز الفنزويلي ولكن هوغو تشافيز يريد نقل الغاز الفنزويلي إلى البرازيل والأرجنتين بمساعدة شركة «غازبروم» الروسية .
وتمثل مشاريع من هذا القبيل فرصة كبيرة لروسيا للدخول إلى أسواق الغاز الأميركية الشمالية والجنوبية وتثبيت مكانتها القوية فيها مثلما فعلت مع السوق الأوروبية التي باتت روسيا تحتكر نحو 70% من وارداتها من النفط والغاز .
أما سوق الطاقة الأخرى التي تطمح روسيا لغزوها في أميركا اللاتينية فهي سوق الطاقة النووية، حيث أكد الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز أن بلاده لبت عرضا من قبل روسيا لبدء التعاون في إنشاء مفاعلات نووية.
ويُعتقد أن المشروع النووي الفنزويلي سيثير قلق الولايات المتحدة التي تنظر إلى تشافيز كأبرز عدو لها في نصف الكرة الأرضية الغربي. ولكن يستبعد احتمال أن يُثير مشروع كهذا أزمة بين واشنطن وفنزويلا إذا كان خاضعا لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولكنه يتوقع أن يتفاقم الوضع إذا حذت فنزويلا حذو إيران أو كوريا الشمالية، وهو الأمر المتوقع في ظل وجود شافيز في الحكم.
خبيرة طاقة روسية