قبل سقوط الاتحاد السوفييتي وتسيّد القطب الواحد وفرض قوانينه وشروطه وقيمه على شعوب الأرض وخاصة منها شعوب البلدان النامية، كانت النظم السياسية جميعها الرأسمالية والاشتراكية، تحسب حساباً لتطبيق العدالة الاجتماعية وتراعي مصالح الطبقات الدنيا (الفقراء والبورجوازيتين الصغرى والوسطى) وتسن القوانين وتوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية بما يحل بعض مشاكل هذه الفئات ويجنب النظام السياسي احتجاجها أو ثورتها، ويخلق نوعاً من التوازن الاقتصادي والاجتماعي. بما يخفف الاحتقان ويرتشفه ويبعد الصراعات الاجتماعية وأخطارها.
لقد تغير الأمر بعد سيادة القطب الواحد الذي استبدل جميع النظريات والممارسات والنشاط الاقتصادي برمته وفرض بديلاً عنه نظرية (اقتصاد السوق) التي تتلخص بتهميش دور الدولة ورفض تدخلها في الحياة الاقتصادية وقوانينها وعدم قبولها كشريك في التخطيط الاقتصادي أو التوجيه الاقتصادي، على أن تقتصر وظيفتها على التنسيق بين الفعاليات الاقتصادية والقوى الاجتماعية، مدعية أن اقتصاد السوق يمتلك الإمكانيات الذاتية لتحقيق التوازن، وزاعمة أن المنافسة تمنع جنون الأسعار، ومعتبرة أن الاحتكارات والشركات قادرة على امتصاص البطالة، وأن مثل هذا الاقتصاد يستطيع مواجهة احتمالات التضخم.
وهكذا فإن اقتصاد السوق جدير ـ حسب هذه الفرضية ـ بحل الصعوبات الاقتصادية ورفع مستوى الحياة وتحقيق الازدهار، وقد تبنت الدول النامية اقتصاد السوق (مختارة أو مجبرة) وكي لا تتهم من قبل مجتمعاتها بتنفيذ التعليمات الأميركية سمته (اقتصاد السوق الاجتماعي) أي أنها تنفذ سياسة اقتصاد السوق في بلدانها آخذة مصالح الجميع بعين الاعتبار.
وبالتالي فهي مازالت تسعى لتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص ولا تطبق هذه السياسة بدون تبصر، ومن الواضح بعد عقد ونيف من التطبيق ثبوت تهافت هذا التعديل الذي أخذت به البلدان النامية والصين أيضاً، وبقيت كلمة الاجتماعي اسماً بدون معنى.
قد تنفع سياسة اقتصاد السوق في البلدان الصناعية المتطورة، لأن اقتصاد هذه البلدان يقع في قبضة الاحتكارات والشركات منذ زمن بعيد، ولذلك استقر تنظيم قوانين الضرائب والمنافسة ومحاربة الاحتكار وغيرها، وكانت الدولة قليلة التدخل منذ عقود في إقرار السياسة الاقتصادية وممارستها انسجاماً مع إيديولوجية الدولة الرأسمالية وبنيتها وهياكلها.
بل غدت وسيلة لتنفيذ سياسة الاحتكارات، أي أن هذه السياسة كانت مطبقة منذ عشرات السنين وصار من تقاليدها أن تأخذ في اعتبارها جملة من الإجراءات التي تخفف غلواءها على الطبقات الدنيا، عكس الحال في المجتمعات النامية، حيث ضعف الرقابة الإعلامية والسياسية ورقابة منظمات المجتمع المدني وانعدام وجود التقاليد، مما قاد إلى التهرب الضريبي وضعف الشركات المنتجة وتلاشي المنافسة، وهيأ الشروط للمتمولين والأثرياء الجدد والاحتكارات الأجنبية للتغول ونهب الثروات الوطنية وبالتالي زيادة فقر الناس وبؤسهم وآلامهم.
لم يعد اقتصاد السوق أمراً عابرا أو إجراء طارئاً لأنه صار في الواقع نظاماً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً متكاملاً، يعكس بنية الدولة وهيكليتها بل يقولب النظام العالمي في إطار محدد، من تعبيراته نظام العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية الذي نشهده ونلمسه.
وهذا ما حدا ببعض منظري الرأسمالية إلى طرح نظرية (نهاية التاريخ) التي تصر أن النظام الرأسمالي هو نظام أبدي للبشرية لأنه الوحيد الذي يناسبها، وبالتالي تلغي هذه النظرية النظريات الأخرى (الاشتراكية أو الاقتصاد الموجه أو تدخل الدولة أو الاعتداد بالعدالة الاجتماعية أو غيرها) كما فعل (فوكوياما) أول من قال بهذه النظرية وحاول جعلها أيديولوجية ومذهب سياسي (والذي عدل نظريته بعد قليل من إطلاقها وأدرك تهافتها).
أدى انهيار بعض الاحتكارات العقارية والمصرفية ومؤسسات التأمين في الولايات المتحدة في الشهر الأخير إلى كشف عيوب هذه النظرية، فقد اضطرت الدولة التي تحاول نظرية اقتصاد السوق تحييدها بل تهميشها إلى التدخل لإنقاذ هذه الاحتكارات وتفادي أزمة اقتصادية شاملة فدعمتها بمئات مليارات الدولارات على حساب دافعي الضرائب بل فكرت بتأميمها (مما ألغى القول بعدم ضرورة تدخلها)، وظهر خطأ هذه النظرية واستدعيت الدولة كي تلعب درواً اقتصادياً تعجز عنه الاحتكارات المتوحشة، بل وصل الأمر برئيس فرنسا نيكولا ساركوزي إلى التشكيك بالنظام الرأسمالي (الأميركي) نفسه، والمطالبة بتعديله أو تبديله لأن الواقع أصدق من أية نظرية.
أكدت الانهيارات الاقتصادية في الولايات المتحدة أن النظام الرأسمالي القائم ليس نهاية التاريخ، وان الاحتكارات تسعى للنهب وتمارس المغامرات الاقتصادية دون أن تحسب حساباً لحياة الناس، وأنها تنهب الطبقات الدنيا والمجتمع برمته، ومن جهة أخرى لعل تأثر دول العالم جميعها بما جرى للاقتصاد الأميركي يؤكد أن العولمة هي إحدى تجليات اقتصاد السوق عالمياً وهي حصاد مر تدفع شعوب الأرض الأخرى ثمنها رغم أن الدعاية الرأسمالية حاولت تزيينها.
تطرح أسئلة عديدة نفسها بعد الزلزال الأميركي، منها: هل ستصر السياسة الأميركية على فرض اقتصاد السوق كما فرضته على الجميع منذ أكثر من عقد؟ وهل ستستمر الدول النامية بتطبيق سياسة البؤس هذه؟ وهل إضعاف دور الدولة الاقتصادي في غير البلدان الرأسمالية المتطورة يحل مشاكلها، وهل يصلح تبني اقتصاد السوق بدون الالتزام بنظام سياسي ديمقراطي تحترم فيه تقاليد النقد والمساءلة؟
والأكثر من ذلك هل يصلح النظام الرأسمالي الحالي لحل مشاكل البشرية ويمتلك القدرة الذاتية للاستمرار حتى نهاية التاريخ؟ يبدو أن هذه التساؤلات كلها بحاجة لأجوبة تأخذ باعتبارها الزلزال الأميركي.
كاتب سوري
