لم يخطر ببال وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، على الأرجح، حين هددت بعزل روسيا «جزاء لحربها ضد جورجيا» أثناء كلمة ألقتها مؤخرا في مؤسسة مارشال في واشنطن، أن منظمة لا تقل هيبة هي مجلس العلاقات الدولية في نيويورك سوف تستقبل عما قريب خصمها الروسي سيرغي لافروف الذي سيواجه أثناء المداولات فيها نفس السؤال المتعلق بالعزلة.

لقد جاء لافروف إلى نيويورك على رأس الوفد الروسي المشارك في الدورة 63 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وكانت واشنطن تأمل في استغلال هذه الدورة لفرض عزلة دولية على روسيا، ولكن حدث العكس تماما، وفي رده في مجلس العلاقات الدولية على سؤال حول العزلة أشار لافروف إلى أنه لم يتلق مثل هذا العدد من طلبات اللقاء معه في أي من دورات الجمعية العامة السابقة.

علما أن قائمة القضايا التي يراد من روسيا إبداء الرأي فيها تتسع باستمرار، وأن معظم هذه القضايا لا يمت بصلة إلى جورجيا.

وطبقا لجدول أعماله المقرر كان ينبغي على لافروف «المعزول» أن يلتقي ب97 رئيس دولة ووزير خارجية - أي بممثلين عن نصف دول العالم. ومما لا شك فيه أنه ليس في وسع أحد إجراء كل هذه اللقاءات على مستوى ثنائي في فترة محدودة.

ولهذا فقد كانت بعض تلك اللقاءات التي أجراها لافروف متعددة الجوانب، ومنها، مثلا، اجتماع روسيا - الاتحاد الأوروبي حيث التقى الوزير الروسي في آن واحد ب27 وزيرا أوروبيا. وعلى أي حال كان جدول أعمال لافروف في نيويورك أكثر جداوله ازدحاما خلال تاريخ عمله في الأمم المتحدة.

ولم يتضرر من «الغضب الأميركي» وتخطيط واشنطن لفرض العزلة على روسيا سوى الاجتماع التقليدي لوزراء خارجية «الثمانية الكبار» واجتماع «السداسي» المعني بإيران. وتفسر وزارة الخارجية الأميركية فشل كلا الاجتماعين بأحداث جورجيا. في حين يعرف الخبراء أن السبب الرئيسي لإلغاء الاجتماع الخاص بإيران يرجع إلى تصريح بكين الأخير بان عقوبات إضافية لن تفرض على طهران.

وكررت روسيا هذا البيان في فترة لاحقة مضيفة أن كل شيء يسير في مجراه الطبيعي، وأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تؤكد أنها لا تملك أي معطيات تشير إلى وجود بعد عسكري للبرامج النووية الإيرانية. فما الداعي للحديث عن عقوبات جديدة؟ وطالما لم تقدم الولايات المتحدة أي بديل سلمي للسياسة من مواقع القوة، أقر الجميع بأنهم في غنى عن الاجتماع الوزاري للسداسي في الوقت الراهن.

بشكل عام لم تتركز المناقشة السياسية العامة في دورة الجمعية العامة على جورجيا. فالأمر، في الحقيقة، أكثر خطورة. حيث تركت الأزمة المالية الأميركية انطباعا غير مألوف على دورة الجمعية العامة، وباتت الولايات المتحدة هي الجهة محل الانتقادات العالمية لتسببها في جعل العالم كله على شفا كارثة اقتصادية.

لقد كان مركز الثقل في السياسة العالمية حتى الآن يتمثل في ضغط أميركا على هذه الدولة أو تلك، وبقدر متباين من النجاح، على خلفية الزيادة الهادئة والمطردة لنفوذ الصين التي سجلت باستمرار نقاطا رابحة في ضوء الخسائر الأميركية المتزايدة. أما اليوم فلا يسمع صوت الصين ولا يُحس بوجودها على الإطلاق.

أما الولايات المتحدة فانها تتحدث أيضا بصوت خافت. بل يتولد أحيانا انطباع وكأن الولايات المتحدة وجدت نفسها في عزلة وليس بسبب جورجيا التي أرادت واشنطن أن تعزل روسيا بسببها، بل بسبب السياسات الأميركية الخرقاء في مختلف المجالات.

صحيفة «نيويورك تايمز» نشرت تحليلا خلصت فيه إلى نتيجة مفادها أن الولايات المتحدة تتعرض أكثر من غيرها للانتقاد في هيئة الأمم المتحدة، وذلك نظرا لاستياء العالم من الأساليب التي تتبناها واشنطن في مكافحة الأزمة المالية. وأشارت الصحيفة إلى انضمام مستشارة ألمانيا انجيلا ميركل إلى منتقدي الولايات المتحدة،.

فقد رفضت ميركل السفر لنيويورك لحضور دورة الجمعية العامة قائلة بأن ستة من أعضاء مجموعة «الثمانية الكبار» دعوا الولايات المتحدة وبريطانيا لتشديد القبضة على قطاعيهما الماليين، ولكنهما أجابتا أن هذا يخالف تقاليدهما. والنتيجة هي أن العالم بأسره يترنح اليوم على حافة «الكساد العظيم» بسبب سياسات واشنطن.

كاتب ومحلل سياسي روسي

Luon1935@kin.ru