قام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بزيارة رسمية إلى سوريا في الثالث والرابع من شهر سبتمبر الجاري ، وذلك بعد الدعوة التي كان قد وجهها للرئيس السوري بشار الأسد في شهر يوليو الماضي بمناسبة إطلاق الاتحاد من أجل المتوسط.
وقد شهدت زيارة الرئيس ساركوزي عقد قمة رباعية ضمّت إلى جانب فرنسا وسوريا كلا من تركيا وقطر. لقد كان التوجّه من جديد إلى دمشق إيذانا بوضع حد نهائي لخمس سنوات من تجميد العلاقات الفرنسية ـ السورية خلال الفترة الأخيرة من رئاسة جاك شيراك.
وفي خريف عام 2003 كان المستشار الدبلوماسي للرئيس شيراك قد التقى بكوندوليزا رايس ،وزيرة الخارجية الأميركية، بغية إرساء الأسس لما سوف يتجسّد بعد ذلك بالقرار 1559 الصادر عن منظمة الأمم المتحدة بتاريخ 2 سبتمبر 2004 .
تحديد التاريخ له أهميته إذ يأتي بعد عدّة أشهر من غزو العراق والقادة الفرنسيون، الذين ربما أحسّوا بالندم حيال الموقف الحاسم الذي كانوا قد اتخذوه ضد أدارة بوش قبل أشهر، بدوا وكأنهم يبحثون عن المصالحة مع واشنطن بشتى السبل.
لكن بالمقابل أدّى القرار 1559، الذي اشتركت فرنسا والولايات المتحدة في تقديمه في سبتمبر 2004 ، إلى قطيعة مع النهج المتفرّد الذي اتسمت فيه الدبلوماسية الفرنسية في الشرق الأوسط طيلة العقود الأربعة الأخيرة. كانت تلك الدبلوماسية قد حرصت في الواقع على أن تقوم بمقاربة إقليمية شاملة على خلفية نظرتها للملفات الأساسية للشرق الأوسط بأنها مترابطة فيما بينها وبالتالي ليس من الواقعية في شيء زعم إمكانية حل أحدها دون حل الملفات الأخرى.
وبسبب مضمون القرار 1559 الذي نصّ على انسحاب القوات الأجنبية من لبنان ونزع سلاح التنظيمات المسلّحة الموجودة على أرضه تمّ النظرله سريعا كقطيعة ،هذا إذا لم يكن إعلان حرب ، من قبل دمشق وطهران وساد التشنّج لدى الأطراف المعنية. بعد عدّة أشهر وفي شهر فبراير 2005 اغتيل رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري في بيروت.
وعلى الفور تقريبا وبالتزامن وجّهت عدة عواصم غربية أصابع الاتهام لدمشق بالمسئولية عن الاغتيال وفرضت عليها المجموعة الدولية طوقا من العزلة. وبدا الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك،الصديق المقرّب من ضحيّة الاغتيال ، من الأكثر تشددا في إدانة النظام السوري. استمرّت عزلة سوريا شهورا عديدة مما أرضى كثيرا واشنطن وتل أبيب.
ومن الملفت للنظر أن تركيا لم تتردد في تجاوز الضغوط الأميركية وإقامة علاقات وطيدة مع جارها السوري في تلك الفترة الزاخرة بالزوابع .
وبمناسبة قمّة الدول العربية التي انعقدت في دمشق يومي 29 و30 مارس 2006 استعادت سوريا موقعها على المسرح السياسي الإقليمي والدولي،إذ حضرها 11 رئيس دولة وحكومة عرب من أصل الدول ال22 الأعضاء في الجامعة العربية .
واستطاعت سوريا بمهارة أن تتجنب فخّ الملف اللبناني عبر دعوتها جميع الدول العربية ،بما في ذلك الغائبة منها ، للعمل معا من أجل إيجاد حلول لحالة الانسداد السياسي اللبناني واقترحت أن تجعل من تلك القمّة تظاهرة ل«التضامن العربي». ثمّ كانت أزمة مايو 2008 التي خلطت جميع الأوراق من جديد .
إن المجابهات العنيفة التي شهدتها تلك الأزمة كرّست التفوّق العسكري لحزب الله على المسرح السياسي اللبناني. وذهب اتفاق الدوحة الموقّع تحت إشراف قطر في نفس اتجاه تأكيد نفوذه، ومما عزز أيضا من موقف سوريا باعتبارها أحد حلفائه الرئيسيين .
في ذلك السياق بدت سياسة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مبهمة أحيانا . فحال انتخابه رئيسا في شهر مايو 2007 بذل الكثير من الجهود للمساهمة في حل الأزمة اللبنانية وأظهر بنفس الوقت القطيعة مع سياسة الرئيس السابق شيراك ،عبر القيام باتصالات مباشرة مع الرئيس السوري .
لكن الزمن الذي تتطلّبه الدبلوماسية كان أطول مما توقعه الرئيس ساركوزي الذي أظهر استياءه ونفاذ صبره في نهاية شهر ديسمبر 2007 أثناء مؤتمر صحافي في القاهرة حيث أعلن أنه لم يعد يريد أي اتصال مباشر مع نظيره السوري واتهمه بتغذية الخلافات اللبنانية.
ثمّ في شهر مايو 2008 غيّر الرئيس الفرنسي موقفه جذريا من جديد على اعتبار أن الرئيس السوري ساهم إيجابيا في حل الأزمة اللبنانية وأعاد الاتصال به ودعاه لزيارة باريس .
كاتب ومحلل سياسي فرنسي