في أواخر أغسطس الماضي أبلغت واشنطن حليفتها تل أبيب أنها تعارض بلا لبس أية مبادرة إسرائيلية لمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية بشكل منفرد. ولكن التحذير الأميركي تضمن الاستعداد المفتوح لمساعدة إسرائيل من الناحية الدفاعية «مهما غلا الثمن..».

يفهم من تسريب هذا الموقف إلى الصحافة استشعار واشنطن لضرورة المداخلة على خطوط النقاشات المحتدمة إسرائيليا حول خيارات التصرف مع خطر المشروع النووي الإيراني، وكيف أن الكفة راحت تميل لصالح القائلين باشتقاق نهج إسرائيلي مغاير إلى حد الاستقلال عن السياسة الأميركية إزاء هذا الخطر.. الأمر الذي استدعى شارة أميركية حمراء.

لا يملك المتابع لنمط العلاقة الأميركية الإسرائيلية الخاصة جدا أمثلة كثيرة على الشقاق الواسع بين هذين الحليفين العضويين. ولذا فان الجدل الإسرائيلي المستعر بشأن مغزى الاستتباع للمعالجة الأميركية، أو حتى الغربية بعامة، لما يعتبر خطرا إيرانياً مسلطاً على رقبة إسرائيل، يقدم نموذجا نادرا لمثل هذه الحالات.

ويستطيع البعض الاستناد إلى هذا النموذج لإثبات صعوبة، إن لم تكن استحالة، شق إسرائيل عصا الطاعة الأميركية في قضايا الحرب والسلام، ولا سيما حين يتعلق الأمر بمصالح واشنطن العالمية أو حتى الشرق أوسطية. ندفع بهذا التقدير وفي الذهن أن إسرائيل تبدو في طليعة المهمومين بسيرورة المعمعة الأميركية الإيرانية.

وفي إطار هذا الاهتمام تصطك منذ بداية الأزمة رؤيتان متعاكستان : الأولى تنادي بالتعجيل بالحسم العسكري الاستباقي ضد المشروع النووي الإيراني، حتى وان تم ذلك بخطوة إسرائيلية ذاتية. وينطلق أصحاب هذه الرؤية من انه في القضايا التي تخص الموت والحياة لا ينبغي لإسرائيل أن ترهن قرارها بإرادة أحد حتى ولو كان الحليف الأميركي؛الراعي الأول للدولة.

أما الرؤية الثانية فتميل إلى عدم الانغماس كليا في هذه المعمعة والاكتفاء بتحريض واشنطن وما تيسر من القوى الدولية الفاعلة ضد طهران. تقليديا تبنى هذه الرؤية الأخيرة قادة بارزون مثل شيمون بيريس وأرييل شارون قبل غيبوبته وخليفته إيهود أولمرت ومسؤولون كبار في أجهزة الاستخبارات.

وقد عرف هؤلاء بأصحاب سياسة «الانتظار في المقصورة» وترك مبارزة طهران للشركاء الغربيين، مع الدأب إسرائيليا على جمع المعلومات الاستخبارية والاجتهاد في تشبيه الخطر الإيراني الماثل بمقدمات «الهولوكوست النازي» سابقا واستثارة العالم ضده. ولا يمانع هؤلاء ومدرستهم في اللجوء إلى طرق التفافية تستنزف طهران أو تزعجها من الداخل كدعم أكراد إيران وجماعة «مجاهدي خلق» وعرب خوزستان.

الجديد الآن أن إسرائيل ورغم التزامها بهذه الرؤية تحت تأثير الخوف من الانتقام الإيراني وضغوط الحليف الأميركي، إلا أن هناك ما يوحي بالضجر منها والانحياز أكثر إلى مدارات فكرة التدخل الاستباقي المباشر.والأصل في هذا التحول هو تصاعد حظوظ المشككين في المدى الذي قد تصل إليه واشنطن حيال إيران، وزيادة الاعتقاد إسرائيليا بأن السياسة الأميركية ربما فاوضت طهران غير آبهة بمصالح إسرائيل.

يصف بعض أهل الحل والعقد في إسرائيل سياسة الرئيس الأميركي بوش الابن وإدارته إزاء إيران بالميوعة واللاحزم. ويردد هؤلاء أن المصالح النفطية بالذات، علاوة على تعقيدات وتوابع الأوضاع في }أفغانستان والعراق، هي التي تحول دون تصدي واشنطن بالقوة للمشروع النووي الإيراني..تماما كما كان النفط عاملا جوهريا في غزو العراق.

ومنهم من يعتقد بأن سلاح العقوبات الصارمة كان فعالا في حالات أخرى كالحالتين الليبية والعراقية، وأنه لو شاءت واشنطن إثناء طهران عن مشروعها حقاً لفعلت بالآلية ذاتها. والمدهش أن رجلاً مثل يوسي بيلين، المصنف كحمامة، يصطف منذ فترة خلف هذا التصور، بل ويذهب إلى أن «إيران تحتاج إلى من يستورد نفطها ولن ينهار العالم إذا ما حظر الإيرانيون النفط أو شربوه!...»

أما الأكثر صقورية من بيلين؛ الذين ربما باتوا الأغلبية تجاه القضية الإيرانية، فيتلمظون غيظاً مما يعتبرونه صبراً أميركياً فائضاَ إزاء طهران، ويعبرون عن خشيتهم من مساومة تجريها واشنطن مع ملالي طهران، تضحي فيها بالمنظور الإسرائيلي للخطر الإيراني. ولا يطمئن هؤلاء الصقور إلى تعهدات الإدارة الأميركية بالدفاع عن إسرائيل حتى وان اقتضى ذلك استخدام الوسائل العسكرية.

والمؤكد راهناً أن هذه المخاوف والظنون مرشحة للتفاقم بأثر مستقبلي يتجاوز مرحلة بوش الابن وإدارته الآيلة للأفول. لقد أصيب الإسرائيليون بالذهول على أثر تصريح لـ «جون بايدن» المرشح الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس الأميركي نصحهم فيه بأن «عليهم أن يتعودوا على قدرات إيران النووية..» ومضى إلى أنه يعارض فتح جبهة أميركية عسكرية ودبلوماسية إضافية، كما شكك في جدوى العقوبات الاقتصادية ضد إيران!.

ولأن بايدن، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي، مدرج على رأس قائمة مؤيدي إسرائيل الكلاسيكيين، فإن الرسالة التي ينطوي عليها تصريحه تظهر جلية كالصبح.. وخلاصتها أنه إذا كانت إدارة بوش الابن قد ترددت في امتشاق السلاح وكذا في استخدامها الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية بطلاقة ضد طهران، فإن أية إدارة ديمقراطية بديلة لن تكون أقل تردداً على هذه الصعد، وقد تفلت طهران بمشروعها النووي بكل ما يعنيه بالنسبة لإسرائيل.

لهذا، لا يبالغ الذين يروجون للاحتمال القائل ان الفترة الانتقالية بين انتهاء ولاية بوش الابن والرئيس المقبل المنتخب، هي فرصة لا تعوض إذا ما عزمت إسرائيل على مهاجمة إيران. ثمة إذا معطيات وشواهد ترجح أن موازين الجدل في إسرائيل أضحت لصالح المتنمرين، الداعين للحل الإسرائيلي المنفرد لإزاحة الخطر الإيراني وعدم الركون إلى وعود الحماية الأميركية.

إذا ما تحول هذا الخطر من مجرد فرض نظري إلى يقين منظور. وفي تقديرنا أن إسرائيل أقل شأناً من إمكانية تطبيق هذا الحل بمعزل عن ضوء أخضر أميركي ناهيك عن أن تكون واشنطن ضد هذا الحل بشكل صريح.

ومع ذلك، لا يجدر بالمعنيين استبعاد مروق إسرائيل على الرغبة الأميركية في سياق هذا الملف، تحت إلحاح المنظور المرضي لأمنها الذاتي. وقد يتأكد هذا الاعتقاد إذا ما استحضرنا كيف أن الكيانات الاستيطانية التي تنتمي إليها إسرائيل عادة ما لا تدع صيانة أمنها بالكامل وديعة لدى الآخرين، وإن إسرائيل بالذات شرعت في إنشاء رادعها النووي منذ اليوم التالي لإعلان قيامها، في سابقة لا نظير لها في التاريخ.

كاتب وأكاديمي فلسطيني : mohamedalazzar@hotmail.com