بالأمس كانت فلسطين وسوريا ولبنان نقطة تقاطع مصالح الشرق والغرب، ولكن يبدو أن جغرافية العالم وبوصلة الاتجاهات قد تغيرت، فتحولت نقطة التقاطع تلك على منطقتنا واتجاه البوصلة إلى مخزون النفط تحت أراضينا في منطقة الخليج.
كنا نعيش قبل خمسين عاما دون مستوى خط الفقر، وكان دخل الفرد لا يتعدى الروبية الهندية الواحدة في اليوم الواحد، وإذا بنا نصبح بين ليلة وضحاها مركزا ماليا واقتصاديا واستثماريا بأرقام ومشاريع خيالية تقدر بمئات المليارات من الدولارات.
ومن هنا برزت مشكلة منطقة الخليج، بما فيها مجلس التعاون إضافة إلى العراق. وأصبح التحدي أكبر من إمكانياتنا المتواضعة، وأصبحت رؤوس الأموال المتدفقة إلينا أضخم من أن تستوعبها هذه الأرض التي كانت في يوم من الأيام صحراء قاحلة يعيش أهلها الذين لم يكن تعدادهم السكاني وقتئذ يتعدى عشرات الآلاف على صيد السمك و اللؤلؤ. وتحول الخليج مع دوره في الاقتصاد العالمي إلى مركز بارز له ثقله في القرارات السياسية الدولية.
وبدأت المسائل تتعقد شيئا فشيئا، إلى درجة أن أقل هزة أرضية تقع على حدود الصين أصبحت تؤثر في بيئة الخليج البرية والبحرية، وأقل هزة مالية في الولايات المتحدة الأمريكية تعاني منها منطقة الخليج برمتها وفي أسواقها المالية، وأصغر انفجار يضرب باكستان نتأثر به نفسيا في المنطقة.
وهذه الارتدادات لم يكن لها وجود في الخمسينيات من القرن الماضي. ولا حتى مع انحسار مد الاستعمار الخارجي. واليوم حساسية تأثر المؤشرات المختلفة في الخليج في ذروتها. وهو أمر واقع لا يمكن تجاهله ولا نكرانه. ولكن ما هي استعدادات المنطقة على الصعيد الداخلي لمواجهة أي تغير مفاجئ سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو العسكري؟
لا أحد يعرف. ولا أحد يريد أن يعرف. فهناك من يفضل أن يؤمن بأن للكعبة رباً يحميها. وهناك من يرى بأن لكل حادثة حديث. ونحن نميل أكثر إلى نصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم: «أعقلها وتوكل»، وبتوجه «الاستعداد» من خلال توفير ما نستطيع من قوة لمواجهة العدو سواء كان على شكل اقتصادي أو بشري أو حتى بيئي.
المنطقة تملك الإمكانيات المادية، هذا أمر لا يختلف عليه اثنان، ولكنها تفتقر إلى الخبرة في مواجهة المتغيرات السريعة وغير المتوقعة والتي تأتيه في كثير من الأحيان من جهة الخارج. لذا نظل حائرين في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. فمعظم خبرائنا لا ينتمون إلى بيئة المنطقة.
وتكون النتيجة أننا نتخذ قرارات لا تتلاءم لا مع شكل المشكلة التي نبحث لها عن حل ولا مع حجمها. التحديات كما ذكرنا أكبر من احتمالنا لها. والدول المحيطة بنا أكبر منا جغرافيا وبشريا بعشرات المرات. وأصبحنا محشورين بين تضارب المصالح المختلفة.
وندفع في كثير من الأحيان ثمنها نفسيا وماديا. ولو عن طيب خاطر. صحيح أننا استطعنا أن نجنب المنطقة الكثير من المآسي والضربات التي تصل إلى شواطئها، بالدبلوماسية تارة وبالمواقف المحايدة تارة أخرى، ولكننا نظل قريبا دائما من مراكزها. السؤال الذي يفرض نفسه علينا باستمرار، هو إلى أي مدى سنستطيع مقاومة الانجراف مع التيارات المختلفة؟
نحن محاطون من الشرق ومن الغرب وحتى من الشمال بطبقات جيولوجية سياسية واقتصادية وأمنية متحركة وغير مستقرة. أفغانستان، باكستان، إيران، العراق، اليمن، سوريا، لبنان، الأردن، السودان، حتى جورجيا اقتربت وأصبحت تقع نسبيا على عتبات أبواب المنطقة.
وقد دفعنا ثمنا باهظا لتلك الهزات التي ضربت إحداها أو يحتمل أن توجه الضربة إلى غيرها مستقبلا. فلنتصور ما يمكن أن يحدث لو أن هناك من قرر دون سابق إنذار المغامرة بضرب جمهورية بحجم جمهورية إيران الإسلامية؟ أو قلب النظام في سوريا؟ أو تفتيت لبنان؟
على سبيل المثال، هل كانت الضربة التي تلقتها باكستان قبل أسبوعين على يد مجموعة مسلحة منظمة لم يكن ولن يكون لها أي أثر علينا في محيطنا؟ ألم نتأثر من قبل باحتلال وضرب وتقسيم العراق وتشتيت وتشريد شعبه؟ هل كنا بمنأى عن احتلال فلسطين ونتائج الحرب الطائفية في لبنان والأوضاع في السودان ودارفور؟
هل نستطيع أن ننكر بأن الأزمات الاقتصادية التي تجتاح الولايات المتحدة الأمريكية هذه الأيام لن تضر باقتصاد واستقرار المنطقة؟ ونظل نعيد سؤالنا على أنفسنا عن مدى استعداداتنا لمواجهة مثل حالات الطوارئ تلك؟ هل نحن قادرون دائما على التصدي لصدماتها؟ وما هي الاحتياطات التي اتخذناها في حالة ما؟ ومن هم خبراؤنا ومستشارونا الذين سيضعون لنا خطط وأساليب الالتفاف عليها؟
لكننا نقول بأنه، باستثناء بعض الاضطرابات المتفرقة التي شهدتها المملكة العربية السعودية نتيجة نشاط بعض الجهات المتطرفة على أراضيها بغرض زعزعة أمنها واستقرارها، وما شهدته الكويت والبحرين في مجالسها النيابية من إثارة الخلافات المذهبية بين الشيعة والسنة وهي ردة فعل طبيعية لما يحدث حولها من توترات إقليمية لعب الإعلام للأسف الشديد فيها دورا خطيرا.
فإن الأمن والأمان والاستقرار الذي تعيشه المنطقة منذ استقلالها تحسد عليه حتى هذه اللحظة. مع ذلك لا يعني هذا أن نغفل أن الاستقرار لا يمكن أن يدوم إلى ما لا نهاية إن لم تتخذ لأجله كافة التدابير المانعة لزعزعته من خلال دراسة وافية وموضوعية للأوضاع العالمية والمحلية.
يجب أن نكون على استعداد تام لأي طارئ ولأي تغيرات غير متوقعة ولأي هزات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية قد تطال دولة هنا وأمة هناك، وأن لا ندس رؤوسنا في الرمال. العالم يتغير بسرعة، فإذا كانت دولة عظمى بحجم الولايات المتحدة الأمريكية يعلن رئيسها فجأة بأن اقتصاد بلاده يواجه خطرا مصيريا.
وهي الدولة التي قامت أساسا على قوة وصلابة اقتصادها، فكيف بالدول الصغرى؟ اليوم هناك دول صغيرة ما زالت تعتمد على هذه الدولة العظمى لحمايتها من أعدائها الذين يتربصون بها، فمن سيقف بجانبها في حال انكمشت الأخرى على أزماتها الداخلية؟
لا أحد يعرف، ولا أحد يستطيع أن يقرر ما هو قادم في الغيب. ولكن هناك متغيرات هامة على السطح بين شروخ سور الاقتصاد الأمريكي وصحوة الدب الروسي وحيرة الاتحاد الأوروبي لاستغلال الأوضاع الراهنة وتزايد قوة المنظمات الإرهابية وعملياتها في كل مكان.... ونحن في وسط هذه المعمعة كلها.
لقد تحولت هذه الصحراء القاحلة في أقل من نصف قرن إلى منطقة نفوذ وشد وجذب وتقاطع مصالح دولية وعالمية ومعارك وصراع وتنافس دولي وكثافة سكانية غير طبيعية واستثمارات بمليارات الدولارات، وعلينا بالتالي أن نفتح أعيننا جيدا على الوضع الذي وصلنا إليه اليوم، وأن نتوقف لحظة لكي نقيم وضعنا ونتريث قليلا وأن نأخذ نفسا عميقا، وندرس خططنا على أساس تجارب الآخرين.
نحن اليوم في هذه المنطقة تجرنا عدة تيارات معقدة ومتشابكة بقوة لم يحصل أن عرفتها المنطقة في تاريخها من قبل، وعلينا أن نكون على مستوى قوة هذه التيارات الجاذبة. فهل أعيننا مفتوحة وأذهاننا متيقظة؟
جامعة الإمارات : dralaboodi@gmail.com