لقد أطلق رئيس جورجيا ميخائيل ساكشفيلي اسم جورج بوش على أحد شوارع العاصمة تبليسي. وربما كان المسؤولون الروس مصيبين فيما لو حذوا حذو حكام جورجيا ليهدوا عاصمتهم موسكو، على الأقل، تمثالا لكوندوليزا رايس التي تتولى وزارة الخارجية في واشنطن الآن، والتي يقال عنها إنها خبيرة في الشؤون الروسية، وذلك في سبيل تكريم هذه «المرأة الفاضلة« التي استحقت تقدير الروس، بعدما بصّرتهم بالحقائق التي كانوا يتجاهلونها أو شاءوا أن يغضوا البصر عنها خلال سنوات التسعينات الماضية.

ومن بينها أن روسيا دولة كبيرة غنية بثرواتها الهائلة، وأنها بحاجة لتطوير وتحسين قوتها العسكرية بهدف حماية مصالحها، وأن هناك من يكن الحقد والكراهية والعداء الدائم لروسيا، ولا يريد لها أن تكون لها أية مكانة لا على المستوى الدولي ولا الإقليمي، كما بصرت رايس الروس بأن الحديث عن حب الغرب ومنظماته كحلف شمال الأطلسي لروسيا الديمقراطية لا يعدو كونه مجرد كلام كاذب وأوهام.

الآن الروس يتمنون أن تلم كوندوليزا الناطقة بلسان الديمقراطية الأميركية لسانها وتمضغ علكة الأوربيت الناصعة البياض حتى لا يحسوا بالاشمئزاز من رائحة هذه الديمقراطية الكاذبة التي لا تنهض إلا على أشلاء الآلاف من القتلى الأبرياء. يجب تكريم كوندوليزا رايس بإقامة تمثال لها في موسكو لأنها أكدت للروس أنه ليس لبلادهم حليف سوى قوتهم، وأن الثقة في الآخرين أمثال واشنطن ما هو إلا وهم وشرك خادع.

لقد جاء في نص الخطاب الذي ألقته كوندوليزا رايس الخميس الماضي في فرع مؤسسة «جيرمان انترناشيونال فوند» بواشنطن أن تصرفات روسيا بصدد الوضع حول جورجيا تعد بلورة للنهج الذي يتبعه القادة الروس والذي لا ولن يبقى دون رد من جانب الولايات المتحدة. وأضافت قائلة «أنا أعني بذلك قيام روسيا بتخويف جيرانها، واستخدامها النفط والغاز كسلاح سياسي، وقيامها بتجميد معاهدة الأسلحة التقليدية في أوروبا من جانب واحد، والتهديد بتوجيه سلاح نووي إلى الدول المسالمة، وبيعها الأسلحة للدول والتنظيمات التي تهدد الأمن الدولي، وكذلك ملاحقة أو بالأحرى قتل الصحافيين والمعارضين الروس وغيرهم».

وقالت رايس «من نهج سلوك روسيا هذا ترتسم صورة البلاد التي تحكمها أنظمة شمولية مستبدة في الداخل وأكثر عدوانية في الخارج». وأضافت « أن روسيا تدفع الآن ثمن سلوكها العدواني بتراجع هيبتها في العالم وعزلتها الدولية».

وقالت رايس أيضا «أن روسيا لن تحقق أهدافها الإستراتيجية من خلال اجتياحها لجورجيا، ولا يمكنها تغيير مجرى التاريخ بإظهار قدرتها العسكرية من خلال تحليقات قاذفاتها المتقادمة في العمر (من طراز »تو-160«) في مياه إحدى دول أميركا اللاتينية».

كل ما قالته رايس لا يساوي شيئاً لأنه يصدر عن مسئول أميركي لم يبق له في عمله الرسمي سوى شهرين وبعدها يصبح ماضي لا قيمة له بعد أن عمل في إدارة أمريكية حظيت بلقب أسوأ إدارة في تاريخ الولايات لمتحدة، كما أنه يعكس بوضوح الجهل المتعمد من البيت الأبيض طيلة حكم بوش الابن بالمتغيرات الواسعة النطاق التي حدثت في روسيا وعلى الساحة الدولية.

بل إن كلام رايس أيضا يعكس عدم إحساس الوزيرة الأميركية بالحالة البائسة التي تعيشها الولايات المتحدة والتي يسميها الكثيرون بالانهيار، وأولى برايس الآن أن تدير ظهرها للعالم الخارجي وما يحدث فيه وتلتفت للكوارث المتوالية في داخل الولايات المتحدة والتي يتوقع أن تأتي على الأخضر واليابس.

على روسيا أن تشكر الوزيرة رايس وتقيم لها تمثالا في موسكو لأنها بالفعل بلغتها العدوانية أعادت للشعب الروسي الإحساس بانتمائه لدولة عظمى قوية وقادرة على حماية شعبها ومصالحها.

ولكن رغم هذا فإن روسيا لا تريد أن تلعب هذا الدور ولا تسعى إليه، فقد تغيرت السياسة الروسية تماما وأصبحت منفتحة على العالم كله بلا استثناء، لقد أصبحت روسيا دولة بلا أعداء، وليس أدل على ذلك مما قاله الرئيس الروسي ميدفيديف بعد ما سمع كلام الوزيرة رايس، حيث قال ميدفيديف إن روسيا والولايات المتحدة قادرتان على إقامة حوار بناء على الرغم من الخلافات بينهما حول بعض القضايا الدولية.

كاتب ومحلل سياسي روسي

Luon1935@Kin.ru