لكأنها تحتاج إلى من يذكرها بأولويات السياسة الإسرائيلية، استقبلت زعيمة حزب كاديما، تسيبي ليفني، اليوم الأول من مشاوراتها لتشكيل حكومتها، بعملية في القدس التي نفذها فلسطيني من سكانها، حين قام بدهس تسعة عشر إسرائيلياً معظمهم من الجنود.

لم تعلن أي منظمة فلسطينية مسؤوليتها عن العملية غير الاعتيادية التي تضاف إلى عمليتين سابقتين استخدم فيهما فلسطينيون من سكان القدس الجرافة، لكن معظم الفصائل اعتبرتها رد فعل على الممارسات والسياسات الإسرائيلية الوحشية ضد الفلسطينيين. ربما كان الخطر الأكبر من عملية ذات طبيعة فردية، ولكنها تندرج في سياق الصراع مع الاحتلال الذي يمعن في تهويد القدس وإرغام سكانها الفلسطينيين على مغادرتها تحت ذرائع عديدة، فمثل هذه العمليات تشير إلى عمق الصراع وتجاوزه حسابات السياسة الرسمية للفصائل الفلسطينية.

وزيرة الخارجية الإسرائيلية ليفني التي انتصرت في انتخابات كاديما الداخلية على منافسها القوي الجنرال شاؤول موفاز، تنتظرها مهمات وتحديات خطيرة، ربما كان عجز إيهود أولمرت عن مجاراتها أحد العوامل التي هيأت لثاني امرأة بعد غولدا مائير، أن تتبوأ مركز الصدارة في السياسة الإسرائيلية.

الفرصة المتاحة أمام ليفني ليست طويلة لتحقيق ذاتها وإثبات قدرتها على القيادة وأيضاً لإنقاذ حزبها في كل ظروف إقليمية ودولية صعبة، فإن نجحت في تشكيل ائتلاف حكومي فسيكون أمامها فقط عام ونصف العام حتى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في مارس العام بعد القادم، أما إن فشلت فأمامها ما لا يزيد عن ثلاثة أشهر حتى انتخابات مبكرة.

في كل الحالات فإن ما اعتبره البعض انشقاقاً في كاديما على خلفية انسحاب شاؤول موفاز من الحياة السياسية مؤقتاً، يضاعف الخطر المحدق بمستقبل كاديما، الذي ينتظره على الأبواب حزب الليكود الذي يحظى بأغلبية كبيرة وفق استطلاعات الرأي المتواترة في حال جرت الانتخابات في هذه الفترة.

لذلك كانت مهمة تمكين حزب كاديما المهمة الأولى التي تجابه ليفني، خاصةً وأن موفاز قد يتحول إلى خصم سياسي عنيد إذا قرر الانضمام لحزب الليكود، وأيضاً في ضوء المناكفات القوية بين حزبها وحزب العمل القوي الذي يعتقد بأن تحسين قوة كاديما سيكون على حسابه، خصوصاً وأن الطرفين يقفان تقريباً على الأرضية البرنامجية ذاتها.

الصراع بين ليفني وباراك يأخذ طابعاً أكثر من سياسي، ويصل إلى البعد الشخصي، إذ أن ليفني كانت أحد قيادات حزب العمل وتحت إمرة باراك حين خرجت من العمل إلى كاديما، الأمر الذي جعل باراك يتحدث عن حزب الهاربين ومعسكر اللاجئين السياسيين، ويقصد بذلك كاديما الذي تشكل من قيادات وعناصر خرجت من أحزاب اليمين واليسار. غير أن المصالح السياسية تتجاوز الحساسيات الشخصية وتجعل المناكفات بين العمل وكاديما جزءاً من التكتيك التفاوضي قبل تشكيل الائتلاف الحكومي، وكل بهدف تحسين مواقفه في التشكيل القادم.

في هذا الإطار يطرح باراك قضية تشكيل حكومة طوارئ، فيما تطرح ليفني أهمية تشكيل حكومة وحدة وطنية، حيث تأمل أن تجد نفسها وهي تقود الأحزاب الرئيسية في إسرائيل بما في ذلك المعارضة التي يتزعمها بنيامين نتنياهو. غير أن واقع حال السياسة الإسرائيلية قد لا يزكي لا طموحات باراك ولا طموحات ليفني، والأرجح أن تتمكن ليفني من تجديد التحالف القائم والذي قاده إيهود أولمرت، وعماده كاديما، وحزب العمل وحركة شاس الدينية، ذلك أن هذا التحالف قائم على تفاهمات مستقرة منذ ثلاث سنوات تقريباً، فضلاً عن أن كل هذه القوى لا مصلحة لها في انتخابات مبكرة من المتوقع أن تتراجع حصصها فيها لصالح الليكود وأحزاب اليمين.

ليفني التي جرى تكليفها رسمياً من قبل الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز مباشرة بعد استقالة أولمرت الأحد الماضي، تواجه تحديات خطيرة، ولذلك فإنها لا تشكل نسخة أخرى عن أولمرت وإلا كان مستقبلها ومستقبل حزبها في تشكيل ائتلاف حكومي يحظى بالأغلبية المطلوبة في الكنيست، فالتحدي الثاني يتصل بقدرتها على إعادة توحيد صفوف حزبها الذي يعتمد مستقبله على قدرة زعيمته على اتخاذ قرارات حاسمة بشأن ملفات ساخنة فشل في اتخاذها أولمرت.

بعد ذلك تواجه ليفني والسياسة الإسرائيلية ملف إيران النووي الذي يخضع لعملية تسخين متزايدة، في ضوء التهديدات المستقبلية التي يمكن أن ينطوي عليها استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم، خصوصاً بعد أزمة القوقاز وتصاعد التوترات الدولية.

الملف الآخر الساخن يتصل بالعملية السياسية والمفاوضات التي يلح عليها المجتمع الدولي، وينتظر من ليفني أن تدفعها إلى الأمام حتى يمكن استخلاص إنجاز ما يبقي العملية على الأقل مفتوحة للتطوير بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية. في هذا الإطار ثمة ملفات أخرى مثل ملف حركة حماس في قطاع غزة، وملف الجندي الإسرائيلي شاليط، والتهدئة التي تنتهي بعد حوالي شهرين.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com