منذ بدأت الشكوك تحوم حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني أصبح هذا الملف الشغل الشاغل للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أصدرت العديد من التقارير الفنية حوله كان آخرها في الخامس عشر من سبتمبر الجاري. التقرير الأخير ليس في صالح إيران فالوكالة ترى بأنها لا تمتلك من الأدلة ما يقنع بأن البرنامج النووي الإيراني سلمي الأغراض.

فهناك شكوك ترفض إيران الإجابة عن بضعة أسئلة حساسة حولها تتمحور حول قيامها بوضع تصميم لمنظومة تفجير لا تستخدم إلا في الأسلحة النووية. والحقيقة إن هذه الشكوك قد وردت في التقرير السابق للوكالة وطُلب في حينه تفسيراً من الجانب الإيراني إلا أن طهران قد تجاهلت ذلك.

وقد وجدت الولايات المتحدة في هذا التقرير مبرراً لدعوة مجلس الأمن الدولي إلى فرض عقوبات للمرة الرابعة على إيران، فالعقوبات في المرات الثلاث السابقة لم تستطع أن تقنع طهران بجدية الموقف الدولي.

ذكرت الوكالة الدولية في تقريرها بأن إيران قد وسعت من عمليات تخصيب اليورانيوم بمضاعفة عدد وحدات الطرد المركزي من جهة وقامت بتحسين أداء معدات التخصيب من جهة أخرى وكأنها في سباق مع الزمن. ويرى المختصون بأن معدلات تخصيب اليورانيوم التي تقوم بها طهران ستسمح لها بالحصول على ما يكفي من اليورانيوم العالي التخصيب لتصنيع قنبلة نووية واحدة مع نهاية العقد الأول من هذا القرن.

وقد تجاهلت إيران على مدى السنوات الخمس الماضية جميع الدعوات التي صدرت عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية وعن مجلس الأمن الدولي وعن دول ومؤسسات عديدة في العالم لوقف تخصيب اليورانيوم والدخول في حوار إيجابي يساعد على الحد من إنتشار الأسلحة النووية في العالم.

وهناك ما استجد في هذا الشأن مؤخراً، فقد صدر عن طهران ما يفيد بأنها تعتبر مساعي الوكالة الدولية للتحقق من طبيعة برنامجها النووي مساساً بأمنها الوطني. وهذا في الحقيقة تطور جديد ربما تهدف طهران من ورائه التلميح باحتمال الخروج من اتفاقية الحد من إنتشار الأسلحة النووية، وهي خطوة خطيرة قد تريح طهران من ضغوط الوكالة الدولية وزيارات مفتشيها الذين يحصون عليها أنفاسها إلا أنها تنقلها من وضع المتهم إلى وضع المدان بالسعي نحو السلاح النووي،وبالقدر الذي تشعر به الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين من قلق حول البرنامج النووي الإيراني، هنالك قلق مضاعف في منطقة الشرق الأوسط التي ستكون دوله أول من يتأثر سياسياً وأمنياً واقتصادياً حين تشهد التوازنات الحالية انهياراً ببروز قوة نووية جديدة فيها.

أمام صانعي السياسات في منطقة الشرق الأوسط حقيقة لا مفر من مواجهتها، فمهما تمخضت الانتخابات الأميركية عنه فأن الرئيس الأميركي القادم، ديمقراطياً كان أم جمهورياً، لن يسحب قوات بلاده من العراق من جهة، ولن يخفف من الضغوط على إيران بسبب برنامجها النووي من جهة أخرى،ولكن هل يضمن ذلك تحقيق إستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في منع طهران من الحصول على السلاح النووي؟.

الوضع معقد للغاية، وعامل الوقت مهم جداً، فالولايات المتحدة تمر بظروف تُحجِم من دورها على المسرح السياسي في العالم فهي تشهد بوادر ركود اقتصادي تداعت بسببه مؤسسات مالية معروفة، وتواجه عملتها تدهوراً أمام بقية العملات أضر باقتصادها وباقتصاد الدول التي ربطت عملاتها بالدولار الأميركي كلياً أو جزئياً، وتصطدم أجندتها بصعوبات كثيرة في العراق وفي أفغانستان.

كما أن هيبتها الدولية قد تراجعت كثيراً حيث تشير الاستطلاعات إلى أن موجة الكراهية للولايات المتحدة في تزايد حول العالم. كما تشير الاستبيانات الداخلية إلى أن الرئيس بوش تفوق على جميع الرؤساء الذين سبقوه وحصل على لقب الرئيس الأقل شعبية في التأريخ الأميركي. وليس هنالك من الإستراتيجيين الأميركيين الكبار من ينكر بأن متاعب الولايات المتحدة في الداخل ليست غير نتائج طبيعية لمغامراتها في الخارج.

وفي هذه الظروف التي لا تُحسب لصالح الولايات المتحدة بدأت ملامح حرب باردة جديدة تلوح في الأفق حيث برزت روسيا إلى الساحة الدولية مستنهضة حلفاء الاتحاد السوفييتي السابق وقوى اليسار العالمي والمناهضين للسياسة الأميركية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية للاصطفاف معها لتحجيم الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة على المستوى العالمي.

الولايات المتحدة رغم التهديدات العديدة التي صدرت عنها بأن خيار استخدام القوة لمنع إيران من الاستمرار ببرنامجها النووي لم يُستبعد، إلا أنها لم تلجأ إلى هذا الخيار وقد لا تلجأ إليه لأنه قد لا يكون ناجعاً في تحييد البرنامج النووي الإيراني، وقد تكون سلبياته حتى لو أدى إلى تأخير هذا البرنامج وليس تدميره، وهو في الحقيقة احتمال وارد، أكبر كثيراً من إيجابيات لا تستطيع الولايات المتحدة أن تقنع الأسرة الدولية بتحقيقها.

فعلى المستوى التقني لا بد أن إيران في تصميمها لمواقع أنشطتها النووية الحساسة قد استفادت من تجربة ضرب المفاعل النووي العراقي أوزيراك من قبل إسرائيل مطلع ثمانينيات القرن المنصرم. فعملية تخصيب اليورانيوم لا تحتاج إلى وجود مفاعل نووي يسهل استهدافه بل إلى معدات التخصيب التي قد توضع في أي مكان.

ولا شك ان إيران قد أخذت بنظر الاعتبار قدرات الولايات المتحدة في جمع المعلومات وفي توجيه ضربات تدميرية كبيرة وبدقة عالية في المكان المحدد وفي العمق المحدد، فوجدت نفسها أمام خيار دفاعي يستلزم نشر معدات التخصيب في أماكن عديدة متباعدة ووضعها في حماية استحكامات تحت أعماق لا تصل إليها قدرات الأسلحة التقليدية.

ليس أمام الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين خيارات كثيرة، فقد فشلوا حتى الآن في تحييد البرنامج النووي الإيراني دبلوماسياً وسياسياً ووقفوا عاجزين أمام التحدي الإيراني وإصرار طهران على المضي قدماً في تنفيذ برنامجها، وهم يواجهون الآن ثلاث خيارات ليس غير وهي:1-إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية قاسية ومؤثرة على إيران2.-إجهاض البرنامج النووي بعملية عسكرية. 3- القبول والتعايش مع إيران النووية في المنطقة.

لن تنجح الولايات المتحدة في الحصول على إجماع في مجلس الأمن لتشديد العقوبات على إيران إلى الدرجة التي تصبح فيها هذه العقوبات مجدية، وستتمخض اجتماعات المجلس بعد أخذ ورد طويلين عن عقوبات جديدة ثانوية الأهمية تمنح إيران ما تحتاج من وقت لاستكمال قدراتها النووية.ويبدو في ظل الظروف التي تواجهها الولايات المتحدة إن الخيار العسكري يبقى تهديداً فحسب رغم تعرض الإدارة الأميركية إلى ضغوط من دول عديدة أبرزها إسرائيل لتنفيذه.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae