تتجاوز مدة سبات الدب القطبي ستة أشهر سنوياً تقريباً يعيش خلالها في كهوف ثلجية شديدة البرودة دون حراك ولا طعام ولا فعالية، ويبدو للناظر بأنه ثقيل ومتثاقل وبطيء الحركة، ولذلك يستغرب المرء كيف يستطيع تأمين عيشه واللحاق بطرائده بعد استيقاظه من سباته. في حين يؤكد الواقع شراسة هذا الدب وقدرته وسرعته التي تتجاوز 50 كم في الساعة، واستطاعته صيد طرائده بقوة واقتدار يعجز عنهما أي حيوان قطبي آخر.

يبدو أن الروس لهم مواصفات قريبة من ذلك فقد اشتهروا خلال تاريخهم الطويل والعريق بأنهم يسبتون في مرحلة ثم ينهضون في مرحلة أخرى قريبة أو بعيدة، وإذا ما حصل ذلك فهم بعد نهوضهم لا يوقفهم أحد، ويعجز أي آخر عن مواجهتهم، فالصبر والتحمل والفعالية هي من الصفات الأساسية للشعب الروسي. فقد صبروا مثلاً على نابليون عندما غزا بلادهم وتراجعوا أمامه فوصلت جيوشه إلى موسكو عاصمتهم، ثم استيقظوا فدمروا هذه الجيوش وأوقعوا بها هزيمة نكراء لعلها من أكبر الهزائم التي واجهها نابليون في حياته والتي كانت من أسباب سقوطه لاحقاً. وكانوا في حالة السبات نفسها عند غزو القوات النازية لبلادهم خلال الحرب العالمية الثانية فصبروا وصابروا حتى وصلت هذه القوات إلى ستالينغراد (فولغاغراد) وإلى لينينغراد (بطرسبرغ) وأخيراً إلى موسكو، ثم استفاقوا من سباتهم فواجهوا الجيوش النازية وأجبروها على التراجع إلى أن وصلوا إلى عاصمتها برلين.

ويبدو أن سباتهم المعاصر الذي بدأ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي قد انتهى، وبدأت مرحلة استيقاظهم وهجومهم المعاكس على القوى التي تريد أن تستقوي عليهم، وتبدى ذلك في ممارساتهم السياسية والعسكرية خلال هذا العام ونهاية العام الماضي سواء في مجلس الأمن أم في القوقاز أم في أوروبا الشرقية (مجالهم الحيوي السابق) أم في غيرها من بلدان العالم.

بدأت ملامح الاستيقاظ الروسي عندما حاولت روسيا إقناع الولايات المتحدة بتفكيك قواعدها العسكرية في بلدان آسيا الوسطى التي بنتها بحجة محاربة الإرهاب في أفغانستان وغرب آسيا ومواجهة إيران.

وقد نجحت جزئياً في ذلك بسبب بقايا علاقاتها الطيبة مع الجمهوريات هناك، ثم توضح نهوضها في عرضها الاستفادة المشتركة من محطات الرادار الروسية المقامة في القوقاز بدلاً من إقامة محطات أمريكية في بولونيا وتشيكيا ولكنها وجدت صداً أمريكياً متعالياً ومستخفاً بهذا العرض.

وجاءت فرصتها عندما أقنعت الولايات المتحدة حلفاءها الجورجيين في أغسطس الماضي استعادة أبخازيا وأستونيا بالقوة العسكرية، وتورط الجورجيون بتنفيذ النصائح والاقتراحات الأمريكية، فرأى الاستيقاظ الروسي أن الفرصة قد حانت ليوجه ضربة مضمونة النتائج إلى جورجيا على عكس ما كانت تتوقع الولايات المتحدة التي كانت تعتقد أن روسيا مازالت في سباتها.

وتابعت روسيا تحريض أوسيتيا وأبخازيا على إعلان الاستقلال عن جورجيا من طرف واحد واعترفت بهما كدولتين مستقلتين، ولم تأبه بردود الفعل الأوروبية والأمريكية، وتنامي النهوض بل الهجوم الروسي فأعلنت السياسة الروسية أن دخول أوكرانيا وجورجيا في حلف شمال الأطلسي يشكل خطاً أحمر لا يجوز أن يخترقه الأوروبيون ولا الأمريكيون، وهددت بصريح العبارة حكومتي بولونيا وتشيكيا بأنها ربما تقصف بالصواريخ قواعد الرادارات الأمريكية أو القواعد العسكرية المحتملة التي وافقت هاتان الدولتان على إقامتها على أراضيهما.

وفي الوقت نفسه بادرت إلى إجراء مناورات عسكرية بالاشتراك مع فنزويلا وقررت إرسال طائرات استراتيجية وطرادات وسفن حربية إلى البحر الكاريبي للقيام بهذه المناورات على مقربة من الولايات المتحدة بل في خاصرتها الجنوبية، وأعلنت أنها ستحيي الاتفاقية مع سورية الموقعة عام 1971 والقاضية باستخدام ميناء طرطوس لخدمة أسطولها البحري في البحر المتوسط، كما أعلنت إنجاز مفاعل بنو شهر الإيراني، وأكدت أنها ستبدأ ممارسة سياسة جديدة مداها العالم كله، أي أنها على وشك العودة لبناء إمبراطورية روسية.

كما كان الحال أيام الاتحاد السوفييتي.

ينبغي عدم المبالغة والوقوع في الوهم تجاه قدرات روسيا القيام بالأعباء الإمبراطورية أو أعباء القطب العالمي، فما زالت جيوشها بحاجة إلى تجديد أسلحتها وتطوير نظريتها العسكرية.

لذلك زادت ميزانيتها العسكرية لتصل إلى ما يقارب (50) مليار دولار، ورغم تواضع هذه الموازنة إلا أنها تشير إلى بداية الاهتمام بزيادات أخرى، كما أن اقتصادها ضعيف بشكل واضح ولا يتناسب مع اقتصاد دولة ذات نوايا إمبراطورية.

رغم أن احتياطيها من القطع الأجنبي يتجاوز ستمائة مليار دولار، كما أنها بحاجة لحلفاء في أنحاء العالم بعد أن خسرت الحلفاء السابقين للاتحاد السوفييتي أيام سباتها.

وهذا يحتاج لوقت طويل يحتاجه الحليف لبناء الثقة فيها والاعتماد عليها من خلال التجربة والممارسة، لكنها كما يبدو تعتمد على صبر الشعب الروسي وثقافة التقشف التي تراكمت لديه خلال عقود، كما تستند إلى منابع الطاقة (البترولية والغازية) التي تمتلكها وتقدم لها نهراً من الذهب، فضلاً عن إتاحة الفرصة لها للتحكم بالحاجة الأوروبية للطاقة.

من المبكر الافتراض أن روسيا أصبحت قطباً ثانياً في عالمنا، وأن الحرب الباردة على وشك أن تبدأ، وأن التاريخ الماضي القريب سيعود، فما زال أمامها ـ إن سارت في هذه الطريق ـ آلاف الأميال، ولكن المؤشرات جميعها تدل على بدء المسيرة الروسية (والصينية أيضاً) التي قد تلحق بالمسيرة الأوروبية. وتبدأ عندها مرحلة تعدد الأقطاب في هذا العالم المستكين الآن للقطب الواحد.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org