تحمل الزيارة التي قامت بها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إلى منطقة المغرب العربي الأسبوع الماضي العديد من الدلالات والإشارات، خاصة إذا ما ربطناها بتطورات أخرى تحدث لها صلة مباشرة بالشأن المغاربي. فالزيارة تعاملت معها وسائل الإعلام الدولية باعتبارها تاريخية لأنها شملت ليبيا فيما يعد أول زيارة لوزير خارجية أميركي لهذا البلد منذ أكثر من نصف قرن، كما شملت أيضاً كلا من المغرب وتونس والجزائر أي كل دول المغرب العربي ماعدا موريتانيا التي لم تشملها الزيارة للظروف السياسية التي تمر بها.

حيث كانت زيارة وزيرة الخارجية الأميركية ستفسر باعتبارها بمثابة دعم أميركي للانقلاب العسكري الذي حدث هناك منذ أسابيع قليلة.

وبالطبع فإن الولايات المتحدة لها استراتيجية كونية وبالتالي فان اهتمامها بأي منطقة في العالم ومنها المغرب العربي يعد أمرا طبيعيا، لكنها كانت في السابق تترك بعض المناطق ذات العلاقة التقليدية ببعض حلفائها، وكانت منطقة المغرب العربي ذات العلاقة التقليدية بكل من فرنسا وأسبانيا تتركها الولايات المتحدة للاتحاد الأوروبي ولكن بالطبع ضمن استراتيجية غربية مرتبطة بالاستراتيجية الأميركية.

حتى في الفترة التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر وما تبعها من تواجد لتنظيم القاعدة في المنطقة، بدأت الولايات المتحدة على استحياء في الاهتمام المباشر بالمنطقة والتعاون مع الجزائر بالتحديد في مواجهة الجماعة السلفية قبل أن تنضم إلى تنظيم القاعدة ولكن مع الحفاظ على مصالح وعلاقات المنطقة بفرنسا وأوروبا.

ولكن يبدو أن الولايات المتحدة أصبحت تنافس حلفائها في المنطقة بما يؤكد أن هناك صراعات داخل المعسكر الغربي أو أن أوروبا في سبيلها إلى الاستقلال استراتيجيا عن الولايات المتحدة بما يؤكد إمكانية تأسيس نظام دولي متعدد الأقطاب في المستقبل تستعد له الولايات المتحدة من الآن.

وهذا الاهتمام الأميركي المباشر بمنطقة المغرب العربي المتمثل في زيارة وزيرة الخارجية الأميركية غير منقطع الصلة بما نقلته وسائل الإعلام منذ أيام حول أن السكرتير العام للأمم المتحدة يعتزم تعيين شخصية أميركية مبعوثا شخصيا له للصحراء الغربية وانه يختار بين أكثر من اسم على رأسهم كريستوفر روس خلفا للهولندي فان فولسوم الذي انتهت ولايته، وهو ما يدخل الولايات المتحدة على الخط مباشرة في الأزمة الصحراوية مثلما حدث من قبل في فترة تولى وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر لنفس المنصب.

وقد وصفت مصادر دبلوماسية التعيين المرتقب للمسؤول الأميركي السابق موفداً دولياً جديداً في نزاع الصحراء، بأنه لن يؤدي إلى تغيير في الاستخلاصات التي توصلت إليها الأمم المتحدة حتى الآن في شأن آفاق الحل السياسي خاصة بعد جولات المفاوضات المباشرة بين المغرب ومنظمة بوليساريو، لكنها اعتبرت تعيين دبلوماسي أميركي في هذه المهمة، دليلاً على دور أميركي مرتقب لتسريع وتيرة الحل، خصوصاً أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس صرحت في ختام زيارتها إلى المنطقة بأن واشنطن ستقدم دعماً للجولة المقبلة من المفاوضات. وأنها بصدد البحث عن حل للقضية يكون مقبولاً من الأطراف كافة، وقد حان الوقت لتسوية هذه المشكلة.

وبالطبع فان هناك أسبابا تجارية واقتصادية لعبت دورا في الاهتمام الاعلامي بزيارة رايس إلى المنطقة وعلى الأخص لليبيا، ولكن ذلك لا يجب أن يجعلنا نتجاهل الأهداف السياسية لها لأنها تأتي في المقدمة دائما عندما تهتم الولايات المتحدة ببعض وليس كل مناطق العالم المهمة من الناحية الاستراتيجية. وقد جاءت زيارة رايس في وقت تزايد فيه اهتمام المؤسسات الأميركية بفرص الاستثمار في ليبيا خاصة في مجال الطاقة.

ويشار في هذا الصدد إلى أن ليبيا تمتلك تاسع أكبر احتياطي نفطي في العالم بإجمالي يناهز 39 مليار برميل إضافة إلى الثروات النفطية التي لم تكتشف بعد. وقال المسؤولون الأميركيون إن البلدين يتفاوضان على عدة اتفاقات لتعزيز التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي لتصبح جاهزة للتوقيع خلال زيارة رايس إلى طرابلس. وتريد الولايات المتحدة بحسب آراء المراقبين نصيبا من كعكة الاستثمارات في ليبيا التي سبقتها إليها الشركات الأوروبية.

وبالطبع فان تهديد القاعدة يعد احد الأسباب الأساسية التي تقف وراء الاهتمام الأميركي بالمنطقة ذلك ان مباحثات رايس في المغرب تضمنت التطورات الأمنية الخاصة تفكيك السلطات المغربية خلايا إرهابية على علاقة بتنظيم «القاعدة»، والتهديدات الصادرة عن «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، وتنفيذها لهجمات عدة في كل من الجزائر وموريتانيا، وكانت الزيارة فرصة للتداول في المخاوف الناشئة حيال تنامي الظاهرة الإرهابية في منطقة جنوب الصحراء وهى منطقة ذات صلة بالغرب العربي حيث يهرب عناصر القاعدة من الحصار الأمني المفروض عليهم في كل من المغرب والجزائر إلى دول أفريقيا جنوب الصحراء خاصة النيجر ومالي.

إضافة إلى ذلك فانه من أهداف الزيارة إلى المنطقة خاصة زيارة ليبيا هو إرسال رسائل إلى دول أخرى تعتبرها الولايات المتحدة مارقة تارة وعضو في محور الشر تارة أخرى حول إمكانية تكيفها مع النظام الدولي الراهن الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية وهذا الأمر أشار إليه مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ولش حين قال إن إنجازات الدبلوماسية الأميركية مع ليبيا يمكن أن تكون نموذجاً لدول أخرى تتحدى المجتمع الدولي في مواضيع الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل مثل إيران.

وأضاف أن الرسالة هي إذا أخذتم خياراً مختلفاً فهناك مسار آخر مع الغرب ويمكنكم الخروج من العزلة. وهو الأمر الذي يؤكد ان الاهتمام الأميركي بالمنطقة له أكثر من هدف وأكثر من بعد وله أيضاً دلالات عديدة.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com