هناك قناعة ثابتة لدى الغربيين بأن رئيس الوزراء فلاديمير بوتين هو الذي يدير الأمور في روسيا، لدرجة أن المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية جون ماكين في حملته الانتخابية خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين وهو يهاجم وينتقد روسيا ذكر اسم بوتين ثلاث مرات ولم يذكر اسم الرئيس الروسي ميدفيديف ولا مرة واحدة حتى الآن، ونائب الرئيس الأميركي ديك تشيني في جولته منذ أيام قليلة في جورجيا وأوكرانيا وأذربيجان ذكر اسم بوتين عدة مرات واصفا سياسة روسيا بأنها سياسة بوتين.

الكاتب الصحافي الأميركي المعروف رالف بيترس في مقال له في صحيفة (يو إس أ توداي) في 19 سبتمبر الجاري تحت عنوان «لماذا نخاف من بوتين؟»، يقول بيترس «إن بوتين وطني روسي مخلص لوطنه ومؤمن بشدة بدور روسي مصيري وكبير في العالم كله، ولهذا يجب ألا نندهش عندما نراه غير ملتزم بقواعد اللعبة الدولية سواء التي كانت سائدة في زمن الحرب الباردة بين المعسكرين أو السائدة الآن على الساحة الدولية في ظل الهيمنة الأميركية». ويقول بيترس «بوتين قائد نادر في زمن يندر فيه القادة المخلصون بهذه الدرجة والمؤمنون بأوطانهم، وهو أشبه بأحد أبطال روايات الكاتب الروسي الكبير دستيوفسكي فهو ابن لأب كان مؤمنا تماما بالشيوعية ومبادئها وأم متدينة ومؤمنة بالله وبيوم القيامة».

ويرى بيترس أن بوتين الذي كان من أكفأ رجال جهاز الاستخبارات السوفييتية «كي جي بي» يجيد اللعب ببراعة مع خصومه وأعدائه، وأنه هو الذي اتخذ القرار بالهجوم العسكري في القوقاز وتأديب نظام ساكشفيلي في جورجيا، فليس من المعقول لشخصية ليبرالية حديثة ليس لها أية سوابق عسكرية مثل الرئيس ميدفيديف أن يتخذ مثل هذا القرار، ولا يتصور أحد أن أي قيادة عسكرية في روسيا تجرؤ على اتخاذ مثل هذا القرار وبهذه السرعة، خاصة وأن القادة العسكريين الروس مازالت لديهم عقدة أفغانستان والشيشان وأستونيا وغيرها من التجارب الفاشلة لاستخدام القوة العسكرية في الخارج، يقول بيترس «إنه بوتين فقط رجل الكي جي بي المحنك الذي كان على يقين بأن لا أحد في الغرب كله سيجرؤ على توجيه رد عقابي لروسيا على هجومها على جورجيا».

ويختم بيترس مقاله قائلا «إن بوتين يسعى لإعادة المجد والعظمة المعهودة لوطنه روسيا، وهو على يقين من أنه سينجح في مهمته هذه وأن كل الظروف في صالحه الآن سواء في الداخل أو الخارج، وهو مؤمن أيضاً بأن الشعب الروسي يريد حاكما قويا لبلاده، ولهذا فإن أكثر من 80% من الروس يؤيدونه بحماس كبير»، ويقول بيترس أن «هم الرئيس الأميركي الجديد سيتركز في كيفية كبح جماح روسيا التي يقودها بوتين».

هذه الوجهة نظر الأميركية والسائدة لدى دوائر عالمية كثيرة لا تمثل الواقع الفعلي لروسيا وتعكس عدم فهم لشخصية وروح الشعب الروسي، وما يقال عن بوتين يمكن أن يقال عن ميدفيديف وعن كثيرين في القيادة الروسية الآن، هذه القيادة التي أتت بعد عشرة سنوات من الانحطاط والانهيار الذي لم تراه روسيا في تاريخها القديم والحديث، مصير روسيا وقدرها أن تكون دولة كبيرة ذات مصالح كونية، هكذا هو تكوينها الطبيعي بثرواتها وإمكانياتها وتراثها الفكري والثقافي وطموحاتها التاريخية التي يصعب على أي أحد أن يطمسها أو يلغيها من وجدان العقلية الروسية، وما حدث في سنوات التسعينات الماضية شكل صدمة كبيرة للشعب الروسي.

وكان من المستحيل أن يستمر أكثر من ذلك، وليس أدل على ذلك من أن المسؤولين والمتهمين في هذا الانهيار الذين بهرتهم شعارات الحرية والديمقراطية ألأميركية قد اختفوا تماما من الساحة السياسية في عهد بوتين ولم يجدوا لهم حتى مكان وسط المعارضة الموجودة الآن، هذه المعارضة التي تختلف عن بوتين وميدفيديف في أنها أكثر تشددا منهما في الإيمان بقوة روسيا ومكانتها العالمية والتاريخية، فها نحن نسمع المعارضة الشيوعية تتهم بوتين وميدفيديف بالتساهل مع الغرب وواشنطن وتطالبهم بسياسة أكثر حدة معهم.

المشكلة تكمن في الروح العدائية المتخلفة عن سنوات الحرب الباردة لدى الكثيرين في الغرب وأطماع البعض في ثروات روسيا، وخوف البعض من ظهور القوة الروسية ونهوضها على الساحة الدولية، هذه الأشياء هي التي تشكل العقلية العدائية لروسيا في الغرب وهي التي تجعل الشعب الروسي مثل بوتين يؤمن بوطنه وإمكانياته وقدراته ويصمم على الذود عن مصالحه وإعادة أمجاده.

كاتب ومحلل سياسي روسي

Luon1935@Kin.ru