سيدة كندية جاءت لزيارة أصدقاء لها في لندن، فلما اصطحبوها إلى مترو الأنفاق رفضت ركوب هذا المترو على أساس أنه منذ بضع سنوات عثر على قنبلة في إحدى العربات واتهم عدد من الشباب الانجليز المسلمين بمحاولة تفجيرها كعمل من أعمال الإرهاب.
حاول أصدقاؤها إقناعها بأن احتمال وقوع حادثة كهذه مرة أخرى، خلال السنوات الباقية من حياتها، أقل من احتمال تعرضها لهجوم حيوان مفترس في الغابة التي تسكن بالقرب منها في كندا، والتي تمارس فيها رياضة الجري يوميا، ولكنها أصرت على الرفض.
والقارئ الكريم يعرف جيدا أنه كلما شرع أحدنا في ركوب طائرة تعرض لمضايقات لا نهاية لها، إذ يصّر المسؤولون عن الأمن على أن نمّر من خلال بوابة الكترونية بقدرتها اكتشاف ما إذا كنا نحمل سلاحا، وكثيرا ما يطلب منا رفع الذراعين فيمر أحد هؤلاء المسؤولين بعصا الكترونية على الجسم تحقيقا لنفس الغرض.
بل نتعرض في بعض المطارات لطلب خلع أحذيتنا خوفا من أن نكون قد أخفينا مواد متفجرة داخل الحذاء. وأخيرا أضيفت زجاجات الماء إلى الأشياء الممنوع على الركاب أخذها معهم إلى الطائرة إذ ثبت أن من الممكن استخدام كمية من الماء في صنع مادة متفجرة، إذا أضيف إليها بعض المواد الكيماوية.
ناهيك عن عشرات الممنوعات الأخرى التي أصبح من المحرم على المسافرين بالطائرة أخذها معهم. وسوف يتذكر بعض القراء الكرام أيضا كيف تغيرت معاملة البنوك لهم، فتشددت تشددا مبالغا فيه في تحويل بعض المبالغ أو سحبها، بحجة مكافحة غسيل الأموال الذي قد يقوم بها إرهابيون.
في أواخر الستينات لاحظت في مدينة لندن اختفاء سلات المهملات في محطات القطارات ومحطات مترو الأنفاق اختفاء تاما، حتى أصبح المرء يحار في كيفية التخلص مما يرغب في التخلص منه، ككوب خالٍ من البلاستيك أو كيس كان فيه بعض الطعام.
وقد برر ذلك بأن بعض الإرهابيين الأيرلنديين أثناء اشتداد حربهم ضد الحكومة الانجليزية وضعوا مرة قنبلة قابلة للانفجار في إحدى سلات المهملات في إحدى المحطات. منذ ذلك الحين وحتى اليوم لم تعد سلات المهملات إلى الوجود، رغم توقف أعمال الإرهابيين الأيرلنديين منذ زمن طويل، إذ اعتقد المسؤولون، فيما يبدو، أن الاحتياط واجب، مهما كان احتمال وقوع الخطر ضئيلا.
أثناء ركوبك قطارا أو مترو أو أثناء سيرك أو وقوفك في إحدى المحطات في العاصمة البريطانية، ما أكثر أن سمعت صوتا يأتي من خلال ميكروفون، ويردد كل بضع دقائق النداء الآتي: «من الضروري أن تحتفظ بحقائبك وسائر متعلقاتك بالقرب منك طول الوقت.
وأي شيء قد يلاحظ وجوده دون وجود صاحبه، سوف يصادر وقد يجرى إعدامه» وتفسير هذا التحذير بالطبع أن ارهابيا قد يترك متفجرات من أي نوع في حقيبة أو كيس ثم ينصرف بعيدا عنها، فيحدث الانفجار بعد أن يكون قد نجا بنفسه.
مثل هذا النداء أصبحنا نسمعه المرة بعد المرة فلا نعيره اهتماما على أساس أننا لا ننوي ترك حقائبنا بعيدا عنا، وأننا على أي حال لسنا ارهابيين، فلسنا نحن المقصودين. بل وقد يشعر بعضنا أحيانا بشيء من الامتنان لأن المسؤولين ساهرون للمحافظة على حياتنا وسلامتنا، فما الضرر من أن يفرضوا علينا بعض المضايقات البسيطة؟
ولكني كنت في قطار انجليزي منذ فترة قصيرة ومعي حقيبة صغيرة، وأردت أن أذهب إلى دورة المياه فاحترت فيما أصنع. حمل الحقيبة معي إلى دورة المياه بدا لي مهمة ثقيلة ولا داعي له، ولكن ترك الحقيبة على مقعدي حتى أعود قد يثير شك بعض الركاب.
وقد تردد على أسماعهم هذا النداء الذي ذكرته عدة مرات. ويزيد الطين بلة أنى أسمر اللون، ويبدو من ملامحي أني عربي، أو كما يقولون هذه الأيام «شرق أوسطي»، ومن ثم فاحتمال أن أكون إرهابيا لابد أن يكون كبيرا في نظر الركاب الانجليز.
قال لي صديقي الانجليزي عندما شكوت له من هذا الأمر، وعبّرت عن سخطي الشديد عليه، إن المسألة بسيطة جدا بالمقارنة بالنفع المتحقق منها. فالاحتياط واجب (هكذا قال لي)، والأمان الذي تشعر به لا بد أن يكون نتيجة كل هذه الاحتياطات. لم أقبل هذا الرد بتاتا، بل استنكرته أشد الاستنكار. فالمسلّم به منذ زمن طويل أن المبالغة في الاحتياط قد تبلغ درجة المرض.
ونحن كثيرا ما نصف من يبالغ في الاحتياط والحذر بأنه «موسوس»، إذ انه يسيطر عليه هاجس يوسوس في صدره باستمرار، ويدفعه إلى توقع حدوث مصيبة أو حادث غير مرغوب فيه دون أي مبرر معقول لهذا التوقع. فهل أصيب المسؤولون عن الأمن في العالم، في دولة بعد أخرى، بمرض «الوسوسة»، حتى كاد يبلغ درجة الخبل؟
لاحظت في الشهور الأخيرة في مصر أن مثل هذه الاحتياطات التي قاربت درجة الهوس، أخذت تزداد بمعدل يفوق معدلها في الماضي القريب. فعندما تقترب بسيارتك من مدخل بعض الفنادق الكبيرة، يظهر بعض الرجال الأشداء المسؤولين عن الأمن.
وقد اصطحبوا كلبا ضخما مخيفا يأتون به لكي يتشمم سيارتك، فاذا انتهوا من هذا، ولم يجدوا شيئا يثير الشبهات، سمحوا لك بالدخول بشرط أن تترك لهم بطاقتك الشخصية، على أن يعيدوها لك بإذن الله عند خروجك إذا لم يحدث انفجار أثناء وجودك بالفندق.
وفى مطار القاهرة حاولت اجتياز البوابة المؤدية إلى الطائرة وأنا أحمل حقيبة اليد وقد ظهرت منها زجاجة ماء صغيرة. فلفتت نظري سيدة محجبة تراقب شاشة الكومبيوتر، وتعمل أيضا في جهاز الأمن، إلى أن عليّ أن أتخلى عن زجاجة الماء لأن مرورها ممنوع.
قلت لنفسي: «ماشاء الله ! لقد تقدمنا كثيرا في السنوات الأخيرة، فلم يعد هناك فارق كبير بين بلادنا وبين البلاد المتقدمة. هكذا أصبحنا نخاف ونرتعد من الإرهاب مثلهم بالضبط!» ما هو التفسير الحقيقي يا ترى لهذه الظاهرة المدهشة ؟ هل هو انتشار الإرهاب حقا؟ هل هو وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001 أم أن هناك أسبابا أخرى أقوى بكثير؟
كاتب مصري : sgsaafan@gmail.com