عدا عن جولات التفاوض التي سبقت بسنتين توقيع اتفاقية أوسلو، في الثالث عشر من سبتمبر عام 1993، لا ينجح الفلسطينيون في مراجعة تجربة استمرت كل هذا الوقت دون أن تنتج الحد الأدنى من شروط عقد سلام بأن المجتمع الدولي بأسره يسعى من أجله ويرى فيه عاملاً أساسياً مهماً لتحقيق الاستقرار والهدوء في منطقة الشرق الأوسط.

ليس هذا وحسب، بل إن مؤشرات راهن الأوضاع على الأرض بالنسبة للفلسطينيين أنفسهم وبالنسبة لحالة العلاقات الفلسطينية- الإسرائيلية، هذه المؤشرات لا تقود إلى استنتاج بأن قريب السنوات تحمل لشعوب المنطقة السلام الموعود.

الفلسطينيون منقسمون متصارعون حتى العظم، حيث يتمسك قسم كبير منهم باستراتيجية السلام والمفاوضات كأساس، فيما يتمسك قسم كبير آخر باستراتيجية المقاومة والصراع أو هكذا تبدو الصورة بسبب الإعلانات اليومية، الأمر الذي يؤدي فرضاً إلى تجنب أداء واجب المراجعة والتصحيح في حال لزوم ذلك.

أما بالنسبة لحالة العلاقات الفلسطينية- الإسرائيلية، فإن تطور الأحداث منذ بداية المفاوضات في أكتوبر 1991، وكان في العاصمة الأسبانية مدريد، يشير إلى أن إسرائيل خلقت جملة من الوقائع الصعبة جداً على الأرض، بما يعقد كثيراً فرصة التوصل إلى سلام يلبي الحد الأدنى من التطلعات الفلسطينية بإقامة الدولة على الأرض المحتلة منذ عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين وكل ذلك وفق قرارات الأمم المتحدة التي تجحف في الأساس بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.

كان من المفترض أن تؤدي اتفاقية كامب ديفيد إلى إقامة الدولة الفلسطينية في العام 1999، غير أن اغتيال اسحق رابين نهاية عام 1995، وتوقف خلفه شيمون بيريز عن متابعة تنفيذ الاتفاقية، قبل أن يسقط في انتخابات شهر يونيو 1996 لصالح زعيم الليكود بنيامين نتانياهو، أدى إلى تحول جذري في سياق وآليات تطور العملية السلمية من سيئ إلى أسوأ.

ومنذ عام توقيع اتفاقية أوسلو تضاعف الاستيطان إلى أن تجاوز عدد المستوطنين في الضفة ثلاثمائة وخمسين ألفاً، وأقامت إسرائيل جدار الفصل العنصري الذي يفترض أن يتجاوز طوله سبعمائة وعشرين كيلومتراً، يتلوى كالأفعى في أراضي الضفة الغربية حسب تعبير الرئيس جورج بوش.

عزلت إسرائيل الضفة عن غزة، ومدن الضفة السبع بعضها عن البعض الآخر، وكلها عن القدس التي جرى توسيعها لتشمل قرى وبلدات أخرى، فيما تعرضت لعملية تهويد متسارعة، تتقصد تغيير واقعها الديمغرافي لصالح اليهود وتغير طابعها العربي وهويتها، ومعالمها الحضارية، وتعرضت مقدساتها الإسلامية والمسيحية لمخاطر عديدة ولا تزال.

ومن بين المتغيرات الكبرى أيضاً، أن إسرائيل أعادت احتلال كامل الضفة الغربية في إطار حملة السور الواقي عام 2002، مما قلص إلى حد كبير صلاحيات سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية.

خلال السنوات الخمس عشرة، لم تتوقف المفاوضات ولم يتوقف الصراع أيضاً، ففي العام 1996، أي بعد ثلاثة أشهر فقط من فوز نتانياهو، انفجرت ما عرف حينه بهبة النفق في القدس، وذهب ضحيتها العشرات من الفلسطينيين، وبعد أربع سنوات انفجرت انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من سبتمبر 2000.

على صعيد الجولات التفاوضية، وعدا عن الاتصالات الاعتيادية واللقاءات التفاوضية جرت محاولات ومؤتمرات كثيرة في المنطقة وبالتحديد في مصر، وفي الولايات المتحدة، كان أهمها تلك التي سبقت الانتفاضة. وجرت في يوليو عام 2000 في كامب ديفيد، وأشرف عليها مباشرة الرئيس الأميركي السابق كلينتون وتفرغ لها فريق الخارجية الأميركية.

فاوض الفلسطينيون خلال هذه الفترة، حزب العمل مرتين، الأولى مع بدايات توقيع اتفاقية أوسلو حتى أواسط 1996، حيث فوضوا نتانياهو، والأخرى بعد سقوط نتانياهو في انتخابات مبكرة لصالح إيهود باراك زعيم حزب العمل الذي خاض مفاوضات كامب ديفيد الفاشلة.

في هذا الإطار من غير المفيد الحديث عن فارق بين الحزبين، ذلك أن المحصلة واحدة في كل الأحوال، فحزب العمل يتحدث كثيراً عن السلام، ولا يمتلك الجرأة على التنفيذ، فيما يمتلك الليكود الجرأة ولكنه لا يمتلك رؤية واقعية لتحقيق السلام.

الجولة الأخيرة من المفاوضات هي الأقوى، والأكثر دعماً ورعاية من المجتمع الدولي، ولكونها جاءت بمبادرة متأخرة من الرئيس بوش أطلقها في يوليو العام الماضي، وأدت إلى انعقاد ثلاث مؤتمرات دولية، الأول في آنابوليس، والثاني في باريس، والثالث في برلين، ولم يقدر للرابع أن ينعقد في موسكو.

من حيث السياق الزمني تلبي المفاوضات نبوءة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق اسحق شامير، الذي حضر مؤتمر مدريد تحت ضغط إدارة بوش الأب، وقال في ذلك المؤتمر إن المفاوضات قد تستمر لأكثر من عشرين عاماً، أما من حيث السياق العملي فإن المفاوضات أكدت ميل المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين وإلى أن إسرائيل ليست ناضجة ولو بالحد الأدنى لدفع ثمن السلام، وبأنها أيضاً تتصرف من موقع القوة الطاغية، التي تفرض حدودها حدود مصالحها.

بعد خمسة عشر عاماً منذ اتفاقية أوسلو، وسبعة عشر عاماً منذ مؤتمر مدريد، لا يمكن للفلسطينيين أن يتجاهلوا ضرورة التوقف جماعياً وعميقاً أمام دروس التجربة، التي تخللها الكثير من الأخطاء والخطايا، وخلالها فإنهم إما كرسوا جهدهم لصالح المفاوضات وإما لصالح المواجهات أو المقاومة.

حين وقع الفلسطينيون اتفاقية أوسلو، ذهب الكثير من المراقبين والمحللين للاعتقاد بأن انفرادهم بتوقيعها بدون علم الكثير من العرب وحتى الفلسطينيين سيشكل فرصة لمعظم الدول العربية للتخلي عن مسؤولياتها القومية إزاء القضية الفلسطينية التي أرهقت كاهلهم، غير أن الأمر يتجاوز الرغبات إلى حدود القدر.

في غياب التوحد الفلسطيني يبدو أن الذكرى الخامسة عشرة لتوقيع اتفاقية أوسلو ستمر كما مرت في السنوات السابقة، فلا الفلسطينيون في وضع يسمح لهم لأن يقوموا بذلك منفردين أو مجتمعين، ولا الوضع العربي على ما هو عليه من ضعف وهوان، يسمح بمثل هذه المراجعة التي تبدو أكثر من ملحة.

الكل في غيبوبة فيما الوقت كالسيف، يقطع في الأرض والحقوق الفلسطينية ولا يجد من يقطعه، أو يخفف من قوة ضرباته المتلاحقة، فمتى يستفيق الفلسطينيون قبل أن نتوقع من العرب أن يستفيقوا؟

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com