نشرت صحيفة «غلف نيوز» اليومية التي تصدر في دبي باللغة الإنجليزية في الثاني عشر من سبتمبر الجاري تقريراً ورد فيه بأن في نية الولايات المتحدة إقصاء نوري المالكي عن رئاسة الوزارة العراقية.
وقد أشارت الصحيفة إلى أن مصدر هذا التقرير السري هو أحد الأحزاب الكردية الرئيسية المشاركة في العملية السياسية في بغداد. وقد جاء نشر هذا التقرير بعد بضعة أيام فقط من كشف الصحافي الأميركي بوب وودورد عن قيام الإدارة الأميركية بالتجسس على رئيس الوزراء العراقي.
وقد تطرق التقرير إلى ثلاثة سيناريوهات للإطاحة برئيس الوزراء العراقي: الأول هو سيناريو الانقلاب من داخل المؤسسة، أما السيناريو الثاني فهو إجباره على تقديم استقالته وأما السيناريو الثالث فهو تسهيل اغتياله على أيدي بعض الجماعات الإرهابية التي عاودت نشاطاتها بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة أو أيدي غيرهم.
وقد ذكر التقرير بأن نائب الرئيس العراقي الدكتور عادل عبد المهدي هو المرشح المفضل لدى الولايات المتحدة لأنه أكثر براغماتية من المالكي على الرغم من شكوكها بقربه من إيران. أما الأسباب التي دعت الولايات المتحدة للتفكير بإبعاد المالكي فيذكر التقرير سببين أساسيين: أولهما قربه إلى إيران وثانيهما موقفه من الاتفاقية الأمنية الطويلة الأمد مع الولايات المتحدة.
هذا إضافة إلى أن التقرير قد أشار أيضاً إلى عدم رضا الولايات المتحدة على قيام المالكي بتهميش القيادات في المؤسسات العسكرية والأمنية التي تعتبرها الولايات المتحدة في صفها. لقد حظي المالكي طيلة فترة رئاسته للوزارة بدعم كبير من قبل الإدارة الأميركية وقد وصفه أكثر من مسؤول أميركي بأنه صديق للولايات المتحدة .
خاصة وأنه قد أنجز الكثير في مجال تحسن الوضع الأمني رغم فشله في تحسين قطاع الخدمات وفشله في التصدي للفساد المالي والإداري المستشري في أجهزة الدولة وتلكؤ إدارته وعدم جديتها في مقاربة ملف إعادة إعمار العراق.
وقد مر المالكي باختبارات عديدة خلال السنتين الماضيتين أثبت فيها قوته وقدرته على اتخاذ قرارات خطيرة كما أثبت من ناحية أخرى فرديته حسب ما يرى بعض حلفاءه. فهو لم يتردد في التصدي لأبرز من ساعده على تولي منصب رئاسة الوزراء وهو التيار الصدري من أجل فرض هيبة الدولة، وقد كسب عداوات الكثيرين في إصراره على مطاردة المليشيات وبناء دولة القانون.
لم يحظ نشر هذا التقرير رغم خطورته باهتمام كبير، إلا أن من الضروري أن يؤخذ ما ورد فيه على محمل الجد وليس اعتبار محتوياته مجرد إشاعات، فهو في أبسط دلالاته يعبر عن مستوى الجزر في العلاقات بين حلفاء الأمس والشركاء في العملية السياسية.
إذ ليس من قبيل الصدفة أو الخطأ أن يتسرب هذا التقرير إلى وسائل الإعلام في الوقت الذي تشهد فيه العلاقة بين التحالف الكردستاني وحكومة المالكي تراجعاً كبيراً وتوتراً شديداً. فالجهة التي مررت هذا التقرير إلى وسائل الإعلام تنتظر ردود الأفعال من الفرقاء المعنيين حول ما جاء فيه .
خاصة من المالكي نفسه الذي يقف في مواجهة التحالف الكردستاني أقرب الحلفاء للولايات المتحدة في أكثر من قضية صعبة، وإن نشر هذا التقرير هو في الواقع رسالة ضغط من وزن ثقيل فهو تهديد واضح لا يقبل التأويل.
لا شك ان الضغوط التي يتعرض إليها المالكي كبيرة جداً إلا أن من المتوقع عدم رضوخه لها، فبالنسبة للموقف من الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة فهو متمسك بضرورة مغادرة آخر جندي أميركي الأراضي العراقية مع نهاية عام 2011 على الضد من الإرادة الأميركية التي تسعى إلى الحصول على غطاء شرعي من خلال الاتفاقية إلى بقاء قواتها في العراق لأمد طويل.
إلا أنه قد أحال هذه الاتفاقية إلى مجلس النواب ليقرر قبولها أو رفضها، وهو في هذا الصدد يوظف المؤسسات الديمقراطية الدستورية بطرائق يصعب مؤاخذته عليها. أما فيما يتعلق بالعلاقات مع إيران فهو موضوع شائك جداً لا تستطيع الولايات المتحدة أن تضمن مجيء من له علاقات أضعف مع إيران في فترة قريبة إلى رئاسة الوزارة العراقية.
الولايات المتحدة مصرة على البقاء الطويل في العراق فهي لم تبعث جيوشها لسواد عيون العراقيين وإنما لتحقيق مصالح إستراتيجية بعيدة المدى، لذلك فإن اتفاقية تشرع وضعاً قانونياً لوجودها في العراق أمر لا تتنازل عنه ولديها من يساندها في ذلك من العراقيين. فهل سيصبح الخلاف حول بنود الاتفاقية وإصرار المالكي على موقفه دافعاً للولايات المتحدة للأخذ بأحد السيناريوهات التي أوردها التقرير؟.
إن كلاً من السيناريوين الأول والثاني يبدو سهلاً وصعباً في الوقت نفسه، فبالنسبة للسيناريو الأول من السهل جداً البدء بتنفيذ آليات سحب الثقة من رئيس الوزراء التي نص عليها الدستور في الفقرة الثامنة من المادة الحادية والستين، فرئيس الجمهورية من حقه تقديم طلب إلى المجلس النيابي لسحب الثقة من رئيس الوزراء.
كما إن من حق خُمس أعضاء المجلس تقديم طلب بذلك، وهو عدد من السهل ضمانه. إلا أن من الصعوبة بمكان ضمان الحصول على 138 صوتاً، أي الأغلبية المطلقة، لصالح سحب الثقة خاصة بعد الاصطفافات الأخيرة التي انبثقت في الثاني والعشرين من يوليو المنصرم عند التصويت على قانون انتخابات مجالس المحافظات.
فالجهة الوحيدة التي قد يضمن التحالف الكردستاني وقوفها إلى جانبه هي المجلس الأعلى الإسلامي وهي مسألة قد يفكر فيها قادة المجلس طويلاً قبل اتخاذ القرار بشأنها لأنهم بذلك ينهون كتلة الائتلاف الموحد ويقضون على دورها في الوقت الذي يصرون على التعكز عليها مع قرب انتخابات مجالس المحافظات.
أما بالنسبة للسيناريو الثاني، فالولايات المتحدة بحاجة إلى أسباب قوية لإقناع المالكي بتقديم استقالته فقد جاء إلى رئاسة الوزارة عن طريق انتخابات لم تجد فيها الولايات المتحدة ما يستوجب الطعن. وإن تجربة السنتين الماضيتين لا تشير إلى أن شخصية السيد المالكي من النوع التي تتقبل الضغط لتتنحى عن المسؤولية.
هذا من ناحية أما من الناحية الأخرى فإن من الصعب التكهن بما يملكه الأميركيون وما يعدوه من وسائل لتحقيق ذلك فهي كثيرة جداً مارسوا من خلال استخدامها الكثير من الأحابيل ونجحوا في تغيير الأنظمة في دول عديدة في العالم.
أما بالنسبة للسيناريو الثالث فهو في ظل الأوضاع الأمنية السائدة في العراق أمر ليس بالصعب تنفيذه، فقد اغتيل أعضاء في مجلس الحكم في حينه وقتل وزراء ومسؤولين كبار وأساتذة جامعات ولا يزال المسلسل مستمراً رغم تباطئه.
كاتب عراقي : majamal@emirates.net.ae