يميل الكثير من الناس إلى الاهتمام بسفاسف الأمور، كالنظر في عيوب الآخرين، وتقصي أخطائهم، ويفعلون ذلك بلذة كبيرة يجدونها في شغل أوقاتهم بمثل هذه الأمور، وكأن الحياة تتوقف عند هذا الحدّ الذي توقفت عنده اهتماماتهم. وفي الوقت نفسه، نجد الكثيرين من الناس أيضا يُعرِضون عن كل ما يسوء ولا يسرّ، ويقبلون على ما يجلب لهم النفع والفائدة، ويساعدهم على استثمار أوقاتهم بما فيه خيرهم وخير مجتمعهم.
مَثَل هؤلاء وهؤلاء كمثل النحل والذباب، إذ يجد النحل انجذابا تلقائيا للرحيق الذي يتحول في جوفه إلى عسل فيه شفاء للناس، في الوقت نفسه نجد أن الذباب لا يقاوم «النفايات» والروائح الكريهة، وينكبّ عليها انكباب حريص على ألا يفوته شيء من هذا الذي بين يديه.
قد يبدو هذا التصنيف عاما جدا، كما قد يبدو وكأنني أقسّم الناس إلى قسمين لا ثالث لهما، أو أنهم بالنسبة لي يحتلون إما البياض أو السواد، مع إسقاط اللون الرمادي من بينهما. لكن ليس هذا ما أريده بالضبط، بل أقصد من هذا التصنيف ثنائي القطبين أن معظم الناس إما أن يكون فيهم شيء من صفات النحل، أو شيء من صفات الذباب، ومن النادر أن نجد شخصا يجمع بين صفات النحل والذباب في وقت واحد، نظرا لاختلافهما الشديد عن بعضهما، وعدم وجود مساحات مشتركة فيما بينهما.
صفات الذباب كثيرة، من أهمها أنه يميل بطبعه إلى «القاذورات»، وأنه ضارّ، وإذا التصق بالطعام لا يفارقه، ويكفي أنه وسيلة نقل «للقاذورات» والأمراض بحكم طبيعته دائمة التنقل. والذباب طفيلي بطبعه، لذلك يُقال في المثل «أطفل من ذباب»، فهو يعتمد في طعامه على الآخرين، بل ويفرض نفسه على موائد الآخرين دون دعوة، كما يتصف بالطيش أيضا، لذلك يُقال «أطيش من ذباب».
كثيرا ما أتساءل عن حرص الذباب على تتبع ما يضرّه ولا ينفعه، كما أتعجب تماما من حرص بعض الناس على التنقيب عن سيئات الآخرين، والخوض فيها، وإغفال إيجابياتهم، بل وأحيانا طمسها وكأنها غير موجودة. لا بد أن يكون هناك سبب يدفع المرء لأن يترك جمال النفوس والطباع والأخلاق، وأن ييمّم شطر القبح في كل شيء. والأمران مرتبطان ببعضهما، ويشبه كل منهما الآخر؛ فكما أن الحيوانات والحشرات فيها الطيب وفيها الخبيث، فكذلك بني البشر، يجمعون فيما بينهم بين الطيب والخبيث، والصالح والطالح.
ليست صفة الوقوع على ما خَبُث هي الصفة المشتركة فقط بين هذه الفئة من الناس والذباب؛ فمن هؤلاء الناس فئة تشبه الذباب أيضا في قدرتها على تحويل الأمور الحسنة إلى أمور سيئة، أو إلى تحويل الأشياء الجميلة إلى أشياء قبيحة، بالضبط كما يفعل الذباب الذي بمجرد أن يدخل الطعام جوفه يتفكك ويتحلل ويخبث.
وإذا نظرنا إلى الفئة الأخرى من البشر، وبحثنا عن مواطن الشبه بينهم وبين النحل، سنجدها كثيرة أيضا؛ فأنظارهم واهتماماتهم لا تقع إلا على كل شيء جميل وطيب، كالنحل الذي لا يحطّ إلا على رحيق الأزهار الفواحة. ومن هؤلاء الناس فئة تنتقي ما يجب أن تهتم به، وتشغل نفسها به، كالنحل الذي ينتقي ما يقع عليه، لذلك يأتي نتاجه نافعا دون غيره من الحشرات. ومنهم من يحرص على الإفادة من المتاح له من العلوم والخبرات والمعارف، ومن الناس الذين يتعلمون منهم كل هذا، دون أن يلحقوا بهم ضررا ولا أذى، كالنحل الذي يمتص رحيق الأزهار بلطف وحنان، فلا يهاجم ولا يعيث في الحقول والبساتين فسادا كالجراد مثلا.
ومن هؤلاء الناس من يأخذ ليعطي، ولا يكتفي بأن يأخذ ويستفيد ذاتيا فقط بما يأخذ، كالنحل الذي يأخذ الرحيق لينتج العسل، ولا يحتفظ بالرحيق الذي يأخذه لنفسه، وكأنه «يفكر بغيره» دائما وأبداً. وقد صدق الرسول -عليه الصلاة والسلام- حين قال: «والذي نفس محمد بيده، إن مثل المؤمن كمثل النحلة، أكلت طيبا ووضعت طيبا، ووقعت فلم تكسر، ولم تفسد».
وهذا التشبيه لم يأتِ من فراغ حتمًا، لأننا لو فكرنا في صفات النحل، وخصاله التي لا نجدها عند أي نوع آخر من الحشرات، سنجد أنه لا يمثل إلا الصفات الإيجابية، ولا نكاد نجد فيه صفة سلبية واحدة، وهذا ما يجب أن يكون عليه الإنسان المؤمن.
الفرق بين الذباب والنحل كبير جدا؛ فالذباب فيه شيء من الخمول، وجميعنا يلاحظ أن الذباب من أكثر الحشرات التصاقا بما لا يجب عليه الالتصاق به، وهو نادرا ما يبتعد دون أن يثير أعصاب من حوله. أما النحل فهو ديناميكي بطبعه، نشيط جدا، يميل إلى التنقل بخفة ورشاقة من مكان لآخر، مخلفا وراءه أثراً طيباً. وهو بطبيعته لا يبادر أحدا بالأذى، ولا يؤذي إلا رد فعل على أذى لحق به.
لكن المؤسف هو أننا حين نلتفت حولنا نجد عددا لا يُستهان به من الناس تركوا خصال النحل مفضلين عليها خصال الذباب، وهم يدركون ماذا يتركون وعلى ماذا يقبلون، لكنه اختيارهم، ولا يملك أحد أن يجبر الآخرين في اختياراتهم، لكن قد يكون التوضيح والتوجيه والتوعية ضروريا وواجبا.
وباختصار، يمكن لكل منا أن يوجه ميزانه الذي يحكم به على الآخرين لنفسه، ويحاول أن يصنِّف نفسه بنفسه وفق هذا التصنيف العام؛ فإن وجد أنه منقاد تلقائيا نحو الجمال والطيب، ولديه القدرة على أن يقدم للناس منتجا ينفعهم ويفيدهم في شؤون دينهم ودنياهم يصنَّف ضمن فئة النحل. وإن لاحظ في نفسه انجذابا ذاتيا لكل ما قَبُح وخَبُث، وهو يضر من حوله ولا ينفعهم، فيصنَّف ضمن فئة الذباب، ولكل واحد منا أن يختار بعد ذلك أين يضع نفسه.
جامعة الإمارات
