المتتبع لحال الفضائيات يتلمس العذر لبعض الفتاوى التي خرجت من عباءة الصمت، ولقد وصل الحال بالشيخ صالح بن محمد اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى في المملكة العربية السعودية إلى إصدار فتوى إجازة قتل أصحاب الفضائيات العربية المفسدة، وفي معرض حديثه في احد البرامج الإذاعية، قال اللحيدان «إن من يدعو إلى الفتن، إذا قدر على منعه ولم يمتنع قد يحل قتله، لان دعاة الفساد في الاعتقاد أو في العمل، إذا لم يندفع شرهم بعقوبات دون القتل، جاز قتلهم قضاء»، وتبحّر اللحيدان في شرح أسباب هذه الفتوى.

وحين الاقتراب من الصورة العامة لحالة الاحتقان الفضائي الذي يصحو على صوت الطبل وينام على صوت المزمار، نجد أن هذا الرجل الصالح قد عبر عن الاستياء الشديد الذي يشعر به عامة الناس من فضائيات الفساد، والتي بالفعل لا تحترم مشاعر الناس بل تتفنن في البحث عن وسائل جديدة لهدم الجيل العربي المسلم.

وكما قال الشاعر «وقاتل الجسم مقتول بفعلته وقاتل الروح لا تدري به البشر»! فهذا التفريغ لروح الشاب العربي من هويته ومسخه والاستمرار في هذا العمل بإخلاص وتعمد، يستوجب وقفة حازمة مع هذا الانحلال المرخّص والمصنف تحت أكثر من تعريف. لقد قال رسولنا الكريم «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».

ولو تمعنا في إطلاق معظم المشاريع الإعلامية على رقعة خارطة الوطن العربي سنجد أنها تمثل هذه السنة التي حذر منها الرسول العظيم. لقد اختلج الإعلام العربي بمجرد إطلاق العنان لأصحاب رؤؤس الأموال في إدارة القنوات الفضائية.

ولعل تسعيرة القناة الفضائية مقارنة بتسعيرة بعض المشروعات نجدها متواضعة، مما فتح المجال أمام أصحاب النفوس الضعيفة التي تبحث عن الثراء تحت ستار الفن الهابط والعري، ولعل أهم الاختلالات التي بات المجتمع يدفع ثمنها هو السقوط المدوي للفكر، وأية محاولة لاسترداد مكانته لا بد أن تواكب بحرب جادة على هذه الفضائيات التي سرقت الصغار والكبار من أنفسهم.

بعض الفضائيات عودت مشاهديها على تجريف الفكر الجامد وغربلة الأفكار، وهي الفضائيات التي تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة كتلك التي تدعو من عام إلى آخر إلى إقامة حوار فكري حقيقي بين أصحاب المذاهب، ولعل التجريف للفكر الذي تقوم به هذه القناة مشكورة، يلهم ملايين العرب ضرورة إعادة قراءة التاريخ الإسلامي.

ولقد أحدث البرنامج الحواري الذي بات يشكل استراحة فكرية مهمة طوال ليالي الشهر المبارك فورة عقلية جذبت مختلف شرائح المجتمع من مثقفيه وعوامه، وأصبح المشاهد متداخلا بشكل أو بآخر في الحوارات، الأمر الذي يدل على تعطش بل وجوع إلى تحريك الساكن من الفكر، وإذا لم يكن الفكر يهم المشاهد فان جمالية الحوار تمنحه فرصة لاختبار مشاعر لم يشعر بها ولعل منها الدهشة، فصياغة وتبادل المعرفة يجعل الإنسان في حالة مراس عقلي يكشط الركود الذي يغلفه ويسقط خيبة الفضائيات الهادمة.

والمفارقة أن هذه القناة تعتبر فقيرة من حيث الإمكانات التقنية وتعتمد البساطة في الديكور، الأمر الذي يخرجها من الخانة التجارية ويدخلها تحت مظلة الدراويش أصحاب المبادئ الذين لم يركنوا مع القوم الظالمين.

ولذلك نجد أن الإقبال الإعلاني عليها ضعيف وتكاد لا ترى الفواصل الإعلانية التي أصبحت في هذه الأيام تشتري وتبيع القنوات وتسيطر على كل ما يعرض على الشاشة بحجة أن البرامج مباعة سلفا! رحم الله تلك القناة وجازى أصحابها كل خير.

المشكلة في إعلامنا العربي هي الزخم الشديد في تبديد روحانية الشهر الفضيل، ولعل المنع الذي طال مسلسل «سعدون العواجي» ساهم إلى حد ما في إعطاء المشاهد فرصة للشهيق والزفير، بعد أن كتمت المسلسلات البدوية على نفسه والتي يمكن أن تكون الموضة السائدة في رمضان هذا العام.

وما يضحك أن يستغل نجاح مسلسل واحد لإعادة تقديم نسخ جديدة من نفس الأعمال وتحت عناوين مختلفة، بل البعض من الفنانين تجدهم يمثلون في جميع هذه الأعمال، والمفارقة أن يكون الدور هو ذاته، ويبقى الضحك على الذقون هو الموضوع الأساسي في هذه المسلسلات لان الفنان أصبح لا يحترم المشاهد بقدر ما يحترم الدرهم والدينار.

والمصيبة أنه بعد انتهاء المسلسل الفلاني تخرج النتائج المبهرة على سطح المجتمع، ففلان طلق زوجته لأنها ليست بقدر جمال بطلة ذاك المسلسل، وأخرى تحتج على زوجها لأنه يفتقد وفاء البطل الفلاني، وما خفي أعظم.. ولا ندري متى يتقون الله في الشعوب العربية التي تعيش على فتات القصص البدوية الرومانسية التي لا تقدم ولا تؤخر.

هذا الفضاء المزدحم والذي يخرج غالبا بالغث وأحيانا بالسمين، يحتاج إلى وقفة من قبل الحكومات لان لجان الرقابة في القنوات العربية لا تجد مبررا للمنع، لكن الانفجار السمج لمسلسلات رمضان يستلزم إعادة تشكيل لجان رقابية برلمانية تختص في وضع بروتوكول خاص بالشهر الفضيل يقتصر على القلة القليلة من البرامج والمسلسلات الهادفة، وليكن الله من وراء هذا العمل، لكن ما نراه ونسمعه هو المنافسة لاستقطاب المزيد من الأعمال الفنية وأين هم من قوله تعالى: «وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ».

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmil.com