منذ انهيار الاتحاد السوفييتي حتى الآن والعلاقات الروسية ـ الأميركية بين مد وجزر، خاصة في المسائل السياسية والاستراتيجية ولم تتوقف التصريحات الحادة من كل طرف تجاه الآخر طيلة الأعوام الثمانية عشرة الماضية بشكل جعل الكثيرين يعتقدون بأن الحرب الباردة بين البلدين لم ولن تنتهي.
ولكن هذا لم يمنع من تطور العلاقات بين البلدين في مجالات كثيرة، وقد شهدت العلاقات الاقتصادية بين القطاع الخاص في البلدين تطوراً كبيراً، وهذا في حد ذاته أمر هام للغاية باعتبار أن القطاع الخاص في الولايات المتحدة هو الذي يدير سياسة الدولة، وأن هذا القطاع في روسيا أصبح له أهمية كبيرة في السنوات الثمانية الماضية وأصبح له تأثير كبير في صناعة القرار السياسي في موسكو.
الأزمة الأخيرة في القوقاز تصاعدت معها حدة التصريحات بين موسكو وواشنطن بدرجة أوحت للكثيرين أن البلدين على وشك القطيعة الخلاف والعودة القوية للحرب الباردة، ولكن المراقبين والمطلعين على تطور هذه العلاقات يرون أن هذه الخلافات الحادة والأزمات المتصاعدة لن تؤدي للقطيعة بين البلدين.
وأن هناك خطوطا متفقا عليها لا يمكن تجاوزها من الطرفين، فالتصريحات الروسية الحادة والاتهامات الواضحة من موسكو لواشنطن بالضلوع في النزاع في القوقاز لا تعني أن موسكو تريد القطيعة، الأصح أنها تريد تغيير بعض أسس التعامل، كذلك واشنطن لا تريد من اتهاماتها لموسكو وإداناتها لها القطيعة معها بقدر ما تريد إرساء أسس وأساليب للتعامل مع روسيا، النزاع إذن على أسس وأساليب التعامل في المستقبل، ولهذا لا يندهش أحد عندما يرى العلاقات تعود بين البلدين قريبا لما كانت عليه، وربما للأفضل.
ولقد ظهرت بالأمس القريب بوادر التحسن وعودة الهدوء للعلاقات بين موسكو وواشنطن، حيث صرح السفير الأميركي لدى روسيا جون بايرلي في مقابلة صحفية مع إذاعة «صدى موسكو» بأن الولايات المتحدة الأميركية مستعدة لاستئناف المحادثات مع روسيا حول مسائل المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في سبتمبر الجاري.
وذكر بايرلي أن المقصود بالمحادثات هو مواصلة المشاورات حول الإجراءات الضرورية التي يتوجب اتخاذها لزيادة شفافية نظام الدرع الصاروخي الأميركي بهدف رفع القلق عن روسيا المتعلق بإقامة المنطقة الثالثة لمواقع المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا الشرقية.
وأنكر السفير الأميركي توريد بلاده أسلحة إلى جورجيا عبر سفن المساعدات الإنسانية على حد اتهام الجانب الروسي. وقال في هذا الشأن: «نحن لا نجري محادثات حول إعادة تسليح جورجيا، حاليا نحن نركز فقط على تقديم المساعدات الإنسانية»، وأكد بايرلي: «إنها مساعدات إنسانية بحتة».
وأكثر من ذلك صرح السفير الأميركي لدى موسكو بأن روسيا هي شريك مضمون للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، كما قال إن الفتور الذي طرأ على علاقات موسكو وواشنطن حاليا لا يجوز أن ينعكس على تعاون البلدين في هذا المجال.
حديث الدبلوماسي الأميركي لدى روسيا ليس تطوعا منه بالطبع في مثل هذا التوقيت، بل هو تكليف من الخارجية الأميركية ورسالة واضحة من البيت الأبيض لتهدئة الأجواء مع موسكو.
روسيا بدورها تبحث عن مصالحها مع جميع دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة، وربما لهذا لم يتأخر الرد الروسي على رسالة البيت الأبيض التي حملها السفير لموسكو، حيث صدرت الأوامر فورا من موسكو للطائرات الإستراتيجية الروسية التي حطت بالأمس في فنزويلا بالعودة فورا لقواعدها في روسيا، على الرغم من أنه كان مخططا لبقائها هناك بعض الوقت بقصد استفزاز واشنطن.
وليس من المستبعد أن نرى في الأيام القادمة مبادرات تقارب وحسن نية وتواصل بين موسكو وواشنطن، فهكذا اعتاد العالم على مدى قرابة قرن مضى على هذا الشكل من العلاقات بين القطبين والتي شهدت العديد من الأزمات الحادة لكنها كانت دائما تنتهي بالعودة لقواعد اللعبة السياسية المتفق عليها ضمنيا بين البلدين.
كاتب ومحلل سياسي روسي