في أوائل الثلاثينات من القرن الماضي، ظهرت رواية للكاتب الإنجليزي الشهير ألدوس هكسلي، لفتت الأنظار بشدة، وأصبحت خلال سنوات قليلة أشهر من نار على علم، وأعيد طبعها المرة بعد المرة، ومازالت حتى الآن تقرأ على نطاق واسع، وما أكثر ما يشار إليها في الكتب والصحف، بافتراض أن القارئ سبق له أن قرأ الرواية أو على الأقل يعرف فكرتها الأساسية.
الرواية اسمها يمكن ترجمته إلى «ياله من عالم جديد رائع» (Brave New World) . والعنوان ساخر، فالمؤلف لا يقصد أن العالم الجديد رائع، بل يقصد العكس بالضبط. فهو يحاول التنبؤ بما يمكن أن يكون عليه العالم بعد عدة قرون، ولم تعجبه صورة العالم التي يتنبأ بها، على الرغم مما تدل عليه من ارتفاع كبير في مستوى المعيشة، وتقدم علمي وتكنولوجي كبير، وقدرة غير معهودة على السيطرة على الطبيعة، بل وعلى التحكم في الإنسان نفسه.
تذكرت هذه الرواية عندما شاهدت على شاشة التلفزيون حفلة افتتاح الألعاب الأولمبية في بكين في ؟ أغسطس الماضي، والتي استغرقت نحو أربع ساعات، ثم عادت إلى ذهني من جديد عندما شاهدت حفلة الختام في أغسطس، التي استغرقت أكثر من ساعتين. وبدا لي من شبه المستحيل أن يرى أحد هذه الحفلة أو تلك ويكون قد سبق له قراءة رواية هكسلي، دون أن يتذكر الرواية من جديد.
الرواية مخيفة حقا. فالمجتمع الذي تصوّره يتكون من أفراد أشبه بالآلات منهم بالبشر. يتحركون ويتكلمون ويفكرون كما تريد لهم سلطة مركزية خفية، تحدد الأهداف التي تريد الوصول إليها بكل دقة، ولديها من الوسائل (المعرفة العلمية والتكنولوجيا) ما يمكنها من تحقيقها. ولكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب سلب الناس القدرة على التفكير المستقل، إذ ان المهمة تكون أسهل بكثير عندما يصبح الناس كلهم متشابهين وكأنهم نسخ متكررة من أصل واحد، وتنعدم القدرة على المعارضة، بل وحتى على التفكير في المعارضة.
نعم، الناس يبدون سعداء.. ويظنون أنهم سعداء ولا ينقصهم شيء . ولكن هذا أيضا مخطط من جانب السلطة المركزية، ومن السهل جدا عليها تنفيذه. إذ أنه تم اختراع دواء جديد، ليس إلا حبة صغيرة بحجم حبة الأسبرين، يتناولها الشخص بمجرد أن يشعر بأنه غير سعيد، فتعود إليه السعادة على الفور.
في مجتمع كهذا، ما الذي تتصور أن يكون عليه «الحب»؟ السلطة المركزية لا تشجعه، إذ ان عاطفة الحب تفترض وجود مشاعر خاصة تختلف عن مشاعر القطيع، واتجاه هذه العاطفة نحو شخص بعينه دون الباقية. (بعكس الرغبة الجنسية المجردة من الحب).
والحب يقوي الشعور بالتميز والاختلاف، وانطواء الشخص على نفسه وعلى الشخص الذي يحبه، واكتفائهما ذاتيا، مما يشجع بدوره على الاستعداد للانفصال عن المجتمع، وهو أمر غير مطلوب من جانب السلطة المركزية، ويعطل تحقيق أهدافها.
هذا باختصار جانب من جوانب المجتمع الذي تصوّره رواية ألدوس هكسلي، كما تخيله في أوائل الثلاثينات من القرن العشرين، ولا شك أن تفكير هكسلي في ذلك الوقت قد تأثر بالتقدم الحديث في العلوم النفسية والبيولوجية مما حاول النازيون في ألمانيا في نفس الوقت الإفادة منه لإقامة مجتمع عالي الكفاءة. ولكن هذا المجتمع عالي الكفاءة يخضع لحكم سلطة مركزية خدعت معظم أفراد شعبها وجعلتهم مصدقين وعودها بإقامة جنة الله على الأرض، ونكلّت أشد التنكيل بكل من يعارضها، أو حتى يفكر في معارضتها.
نظرت إلى الشاشة لأرى ما الذي صنعه الصينيون استعدادا لدورة بكين للألعاب الأولمبية. فوجدت مناظر متعددة تشترك كلها في أنها لا تترك مجالا للشك في قوة السلطة المركزية وقدرتها على تحريك الناس كما تشاء.
عشرات الآلاف من الصينيين، رجالا ونساء، يسيرون أو يصيحون أو يرقصون أو يحركون الأعلام، والجميع يبتسمون، وكأن الأوامر قد صدرت إلى الجميع بضرورة الابتسام، حتى تظهر الصين أمام العالم في صورة مجتمع سعيد. وطفلة صغيرة تسير في مقدمة طوابير من الرجال والنساء، وقد رفعت علما، وتبتسم وهي تغني أغنية تدعو إلى الحب والسلام، ثم يظهر أن البنت كانت فقط تحرك شفتيها بينما تأتي الأغنية المسجلة من قبل أن يبدأ الاحتفال، عن طريق الميكروفونات.
ثم سمعنا أن السلطات الصينية اتخذت إجراءات مشددة لتنظيف بكين وإظهارها بمظهر يختلف تماما عن مظهرها المعتاد قبل الدورة الأولمبية، فمنعت دخول فئات معينة من العمال الذين تعوّدوا الدخول إلى بكين للعمل، وأزالت أكشاكا صغيرة كان يبيع فيها أصحابها بعض السلع الرخيصة لكسب العيش، فظهرت بكين بمظهر غير حقيقي ريثما تنتهي الألعاب ويرحل الأجانب.
إن لدى الصين بالطبع، بحكم عدد سكانها الرهيب، القدرة على حشد أعداد غفيرة من الناس للقيام بأي عمل، ولديها القدرة أيضا، بحكم نظامها الشمولي، على أن تفرض على الناس ما تريد فرضه، والنتيجة بالطبع، فيما يتعلق بالدورة الأولمبية، ألعابا ومناظر مبهرة بجمالها وحسن تنسيقها.
كاتب مصري
