قبل عشر سنين تقريباً خضعت لعملية جراحية أجلستني في البيت لمدة أربعة أشهر، وخلال تلك الأيام كنت أهيم على وجهي بين كتب مكتبة أبي العامرة. وفي يوم ما، وقعت عيناي على كتاب «النظرات» لمصطفى لطفي المنفلوطي، فتناولته دون أن أعلم من المنفلوطي هذا، فشرعت في سبر أغواره واكتشاف أسراره.
وجدتني بعدها لا أنفك أنتقل من موضوع إلى آخر ومن قصة إلى أخرى. وعندما أنهيت الجزء الأول من الأجزاء الثلاثة، وجدتني أخط بالقلم كلمات بسيطة لا أعرف من أين أتت، ولا من أي الينابيع خرجت، ومنذ ذلك اليوم، لم يقف مداد ذلك القلم الذي فجّره المنفلوطي، والذي ما زال يتفجّر كلما قرأت له شيئاً.
على الرغم من أنّه لم يعمّر طويلاً إلا أن حياته التي امتدت على مدى سبعة وأربعين عاماً بين القرنين التاسع عشر والعشرين كانت مليئة بالأحداث.
فإلى جانب أنه تتلمذ في الأزهر على يد الإمام محمد عبده، فقد كانت للمنفلوطي صولات وجولات سياسية مع سعد باشا زغلول، وعاصر أدباء وشعراء من أمثال أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، فأثّر فيهم وتأثروا به، في زمن كانت مكانة الأدب لا تقل عن مكانة السياسة في المجتمع، بل ربما تفوقت عليها.
لقد استطاع المنفلوطي أن ينشئ له طريقة جديدة في الأدب أثارت حنق بعض الأدباء وسرّت البعض الآخر، فاختلف الناس حولها بين مؤيد ومعارض، وهذا شأن العظماء في التاريخ، وعندما سئل عن سر هذه الطريقة قال: «كنت أقرأ من منثور القول ومنظومه ما شاء الله أن أقرأ، ثم لا ألبث أن أنساه، فلا يبقى منه في ذاكرتي إلا جمال آثاره وروعة حسنه ورنّة الطرب به.
وما أذكر أني نظرت في شيء من ذلك لأحشو به حافظتي، بل كل ما كان من أمري أنني كنت امرأً أحب الجمال وأفتتن به...» فالتقليد كان عدّوه اللدود، والإيمان بقلمه كان رديف عمله، وليس يعيب الإنسان أن يتأثر بأسلوب معين، ولكن لا تخلد في التاريخ إلا النصوص التي اختمرت في فكر صاحبها وانبلجت من مكنون نفسه، لتظهر إلى الناس صنيعة خاصة به لا تشوبها كلمات ولا تضرّها تأويلات.
ولقد اشتهر المنفلوطي بأنه أديب الآلام والأحزان، ولكننا لا نستطيع أن نصنّفه على أنه «أديب البؤس» مثلما اشتهر عن تشارلز ديكنز- الذي تكفيك قراءة عمل واحد من أعماله فقط - فالمنفلوطي كان يسبر أغوار الألم الإنساني وكأنّه خلق من أجله، فيصوّره على صفحات الأوراق وكأن الألم يتحدث عن نفسه.
فإذا قرأ إنسان قطعة أدبية من ذلك العمل، تنسكب دموعه على وجنتيه وكأنه هو صاحب ذلك الألم، ولكن ما أن ينهي قراءة تلك القطعة حتى يشعر بأن أحداً قد غسل صدره بماء بارد، فتطمئن روحه وتعلوه السكينة.
كان المنفلوطي يبحث عن الجمال في كل شيء، ويقف عنده ليتبين كنهه ويتلمّس لبّه، حتى إذا ما بلغ منه مبلغ العاشق المحب، فاضت قريحته بأبيات من الشعر أو بكلمات من النثر لم تسعها صفحات الكتب ولم تحوها قوالب اللغة.
يقول عن نفسه إن أجمل لحظات حياته تكون عندما يغلق على نفسه باب مكتبه، ليفرغ إلى نفسه ويُعمِل قلمه، فينصرف إلى فنون الأدب المختلفة، يقطف من هذا ويغرس في ذاك، حتى إذا ما جلس على كرسيّه تخيّل أن رجلاً من العامة يجلس أمامه، فيحدّثه بحديث سلس بسيط، تحفّه الحكمة وترعاه الموعظة، فيبلغ من ذلك البسيط ما يبلغ الدواء من العليل السقيم.
ولذلك كان الناس ينتظرون بشغف رسائل المنفلوطي الأدبية التي كان ينشرها في جريدة «المؤيّد» حتى قال عنها طه حسين إنه كان يترقّب اليوم الذي تنشر فيه تلك المقالات ليحجز نسخته منها، وكان يقبل على قراءتها بكل شغف.
ولقد كان المنفلوطي يستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية في أعماله الأدبية بطريقة سلسة، تغوص بالقارئ في لب الموضوع، وتأتيه بالحجة من كل صوب، حتى لا يجد بدّا من الاقتناع بما يقول والتسليم إليه، وإن كان يخالفه في المعتقد.
ما كان المنفلوطي يحمل نفسه على الكتابة حملاً، فيطرق في التفكير (بموضة) المواضيع التي يتداولها العامة ليخوض فيها كما يخوض الآخرون، بل كان - كما يقول عن نفسه - يرى، فيفكّر، فيكتب، فينشر ما يكتب دون أن يسعى إلى إرضاء الناس. وهذا - في رأيي - ما جعل الناس تتداول كتبه حتى اليوم، وتطبع منها الطبعات الكثيرة والمتنوعة. والسبب الثاني أنه كان يكتب للإنسان وعنه، ولم يكن يقف عند وقائع الأشخاص، بل كان يتناول ظواهر المجتمع العامة، فيحللها ويبدي فيها رأيه دون تردد أو تحفّظ.
وكان المنفلوطي من أفضل الأدباء العرب الذين مزجوا الحقيقة بالخيال، حيث يقول: «كنت أعلم أن الحقيقة المجرّدة عن الخيال لا تأخذ من نفس السامع مأخذا، ولا تترك في قلبه أثرا»...
على الرغم من أنّه يكبرني بمئة عام إلا أنني أعرفه وكأنّه أبي، ولا أخالني أستطيع أن أفارق كلماته كثيراً حتى أعود إليها، بل إنني لا أنفّك أستشهد بها بين الأهل والأصدقاء، وأستغرب ممن لا يعرفه، ويدّعي الثقافة ولم يقرأ له شيئاً.
توفي المنفلوطي في اليوم نفسه الذي جرت فيه محاولة اغتيال سعد باشا زغلول، فانشغل عنه الناس ولم يفطنوا لرحيله إلا بعد حين، بَيْدَ أن شوقي التفت إليه ورثاه بأبيات جميلة قال فيها:
اخترت يوم الهول يوم وداعِ.. ونعاك في عصف الرياح الناعي
هتف النعاة ضحى فأوصد دونهم.. جرح الرئيس منافذ الأسماع
من مات في فزع القيامة لم يجد.. قدما تشيّع أو حفاوة ساع
ما ضر لو صبرت ركابك ساعة.. كيف الوقوف إذا أهاب الداعي.
كاتب إماراتي