قمة منظمة الأمن الجماعي التي سبقتها اجتماعات تحضيرية لوزراء خارجية الدول الأعضاء وأمناء مجالس الأمن القومي، خرجت بقرارات ذات أهمية لموسكو ولرؤيتها في تسوية الصراع الدائر في منطقة القوقاز. القراءة الدقيقة لقرارات هذه القمة تعبر عن دعم سياسي واستراتيجي لسياسات روسيا في القوقاز ووسط آسيا، وهو ما عبرت عنه قمة شنغهاي بلهجة مخففة.
دول الفضاء السوفييتي السابق أعلنت إدانة صريحة لنظام ساكاشفيلي، وحملته مسؤولية إشعال فتيل الحرب في المنطقة، وشن عمليات إبادة وتطهير عرقي، وطالبت المجتمع الدولي بالتعامل بموضوعية مع هذا الملف وعدم اتباع سياسة المعايير المزدوجة.
لقد كان قادة دول منظمة الأمن الجماعي أكثر وضوحا في انتقاد الأوروبيين، عندما طالبوا المؤسسات الغربية بتجنب السياسات التي يمكن أن تؤدى لزيادة التوتر في القوقاز، وأكدوا على أهمية احترام المواثيق والاتفاقيات الدولية.
ولم يكتف هؤلاء القادة بذلك بل وحذروا من انتهاك معاهدات وقوانين الشرعية الدولية، مؤكدين أنهم سيواجهون أي طرف ينتهك القوانين والمعاهدات الدولية بحزم. وكما كان متوقعا تم تأجيل مسألة الاعتراف باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، باعتبار أن كل دولة وبشكل مستقل ستبحث هذه القضية على أسس القوانين الدولية.
ويبدو واضحا أن دول وسط آسيا والقوقاز قد أعلنت دعمها لروسيا وسياساتها، بل إن أوزبكستان وأرمينيا وطاجيكستان أعلنت عن خطوات عملية في إطار تطوير وتعزيز التعاون المشترك، ما يعني أن هدف العمليات الأميركية ضد روسيا، وهو الزحف نحو وسط آسيا والسيطرة على ثروات بلدان هذه المنطقة، غير قابل للتحقيق لأن بلدان هذه المنطقة لا ترغب في التعاون مع واشنطن، وتتمسك بالتعاون مع روسيا.
أي أن الولايات المتحدة بعد أن تنهي صراعها مع روسيا، ستخوض صراعا آخر ضد هذه الدول التي سبق وطردت القوات الأميركية، كما هو معروف عندما منحت أوزبكستان واشنطن مهلة لإجلاء قواتها عن الأراضي الأوزبكية.
هذا الوضع يعني أن نظام ساكاشفيلي مهما تلقى من مساعدات ومعونات من الغرب، سيكون معزولا من قبل الدول المجاورة، لأنه يلعب دورا مشابها لدور إسرائيل، فما هو إلا رأس حربة لحماية المصالح الأميركية، ولعل هذا يفسر سبب التعاون الجورجي الإسرائيلي.
إذ من المعروف أن القوات الجورجية تلقت تدريباتها في إسرائيل، وعلى أيدي مدربين إسرائيليين، كما أن تل أبيب قامت بتزويد هذه القوات بالمعدات العسكرية والأسلحة الحديثة.
وتدرك الولايات المتحدة أنها لن تتمكن من فرض عزلة ضد روسيا، بل إنها ليست قادرة على إقناع شركائها الأوروبيين باتخاذ موقف موحد من روسيا، ما يجعل روسيا اليوم في وضع سياسي متميز، فهي تسيطر ميدانيا وعسكريا على المنطقة، وتربطها مع دول المنطقة علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية واستراتيجية متميزة، إضافة إلى أن الأوروبيين فشلوا في اتخاذ موقف ضد موسكو.
هذه العوامل دفعت بعض الأوساط الأميركية للتوصل إلى نتيجة مفادها أن المخرج الوحيد لواشنطن من هذا المأزق هو شن حرب جديدة ضد روسيا، لذا بدأت الولايات المتحدة بالفعل في إعادة بناء القوات الجورجية، حيث يتم إرسال المعدات العسكرية والأسلحة على سفن الناتو التي يزعم الغرب أنها تحمل مساعدات إنسانية.
والمشكلة التي تواجه القيادة الجورجية والولايات المتحدة في هذا الصدد، هي الجاهزية القتالية لدى الجنود الجورجيين، إذ كشفت الحرب التي دارت عن انعدام الروح القتالية والجاهزية العسكرية لديهم، بالرغم من أنهم تلقوا تدريبات وخضعوا لبرامج متخصصة.
وينسى السياسيون الكبار دائما العامل الإنساني في خضم عنجهية قرار الحرب والسلم، ينسى هؤلاء أن الجنود الجورجيين ليس لديهم عداء لروسيا والروس، بل إن الكثيرين منهم لديهم أقرباء يعيشون في روسيا ويعملون، ويعيلون أسرهم التي تعيش في جورجيا. ينسى هؤلاء القادة العظماء.. البسطاء الذين سيكونون وقود خططهم، ثم يكتشفون أن هذا الوقود لا يصلح لهذه الحرب.