يبدو من تطورات الأحداث التي تشهدها المسألة الصحراوية في الفترة الأخيرة أنها في طريقها للعودة إلى نقطة البداية، وذلك بعد أن انتهت فترة الموفد الدولي فان فولسوم، ولم يختار السكرتير العام للأمم المتحدة بان كي مون بديلا له، الأمر الذي يهدد بعدم انعقاد جلسة المباحثات الخامسة بين الجانبين المغربي والصحراوي التي تعقد في مانهاست بنيويورك.

والذي يزيد المسألة تعقيدا هي الرسالة التي بعث بها المغرب إلى السكرتير العام للأمم المتحدة منذ أيام والتي جدد فيها التزامه بمواصلة التعاون مع الأمم المتحدة من أجل التوصل إلى حل سياسي لنزاع الصحراء «قائم على الحكم الذاتي ولا شيء غير الحكم الذاتي».

وجاء في الرسالة التي كشفها بيان صدر عن وزارة الخارجية المغربية، أمس، أن المغرب سيواصل التزامه في هدوء ومسؤولية وحزم من دون الاكتراث بما وصفه بالمناورات التسويفية ومحاولات العرقلة، في إشارة إلى الأجواء التي تلت استخلاصات الموفد الدولي السابق بيتر فان فالسوم التي أقرت بأن استقلال الصحراء ليس حلاً واقعياً.

ورأت الرسالة أن قرار مجلس الأمن الرقم 1813 قدّم دعماً غير مشروط للأمين العام ومبعوثه الشخصي، في ضوء تصريحات بيتر فان فالسوم التي خلص فيها إلى أن خيار استقلال الصحراء «غير واقعي»، مسجلة في الوقت ذاته التزام الأمين العام مواصلة مساعيه الحميدة لدى الأطراف المعنية لضمان التنفيذ العملي لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة (الرقم 1754 و1783 و1813) التي أصبحت أكثر وضوحاً في مقتضياتها وأكثر دقة في مضمونها وأكثر توجيهاً في المعايير التي يجب أن تحكم العملية السياسية الجارية.

وعرضت الرسالة إلى الأولوية التي تحظى بها المبادرة المغربية حول الحكم الذاتي ودعوة مجلس الأمن والأطراف المعنية إلى التزام الواقعية وروح المبادرة، داعية إلى أخذ هذه التطورات في الاعتبار.

وهذه الرسالة بما جاء فيها تعني أن الخيارات التي على الجانبين المتفاوضين ان يتباحثا حولها أصبحت تنحصر في خيار واحد، هو الحكم الذاتي.

وهو ما يعني أن المفاوضات لابد وان تبحث في سبل تنفيذ هذا الخيار الوحيد وهو الأمر الذي من الصعب على الوفد الصحراوي أن يقبله. الأمر الذي يعني أن المفاوضات التي تشرف عليها الأمم المتحدة قد أصبحت مهددة، وان الاختراق الذي حدث خلال العامين الماضيين في المسألة الصحراوية والمتمثل في جلوس الطرفين معا على مائدة المفاوضات أصبح موضعا للشك.

وهذا الوضع دفع مراقبين إلى القول ان المفاوضات أصبحت مؤجلة إلى حين تعيين موفد دولي جديد، سيكون مضطراً للبدء من نقطة الصفر، على الأقل على صعيد الإلمام بخلفيات وأبعاد الأزمة والنتائج التي تم التوصل إليها حتى الآن. لكن بعيداً عن جهود الأمم المتحدة هناك واقع آخر غير مشجع على التفاؤل يتمثل في أن الجزائر والمغرب لم يتمكنا من الاتفاق على أي صيغة لمعاودة فتح الحدود، وهي خطوة لها أهميتها في أنها تمهد الطريق أمام الحل السياسي لقضية الصحراء.

والحاصل ان إطار المفاوضات الذي تشرف عليه الأمم المتحدة أصبح هو الذي يتعرض الآن إلى بعض الانتقاد. فقد جربت الأطراف ان تتفاوض سابقاً عبر قنوات سرية وعلنية.

كان الأمر المهم في البداية هو مجرد الاعتراف بجبهة بوليساريو كطرف في المشكلة والحل وهو ما تم بصورة واضحة بالتفاوض المباشر بين الجانبين المغربي والصحراوي. ثم انتقلت المفاوضات التي أدارها جيمس ببكر إلى البحث في واحد من ثلاثة خيارات: الدمج الكامل للإقليم مع المغرب أو تكريس استقلاله أو منحه حكماً ذاتياً موسعاً.

وبالطبع فإن رحيل فان فولسوم يمكن أن يعتبر نجاحا جزئيا لبوليساريو لأنه دفع في اتجاه طالما رفضته الجبهة وهو أن يكون الحكم الذاتي هو الخيار الوحيد، ولكن المغرب في نفس الوقت يعتبر التصريحات والاستخلاصات التي انتهى إليها الموفد الدولي السابق مكاسب له ومواقف للأمم المتحدة لا يجب التراجع عنها الأمر الذي سيدخل المسألة الصحراوية في جدل قانوني حول ما إذا كانت هذه التصريحات ملزمة لمن سيخلفه أم لا بما يضيع الوقت في قضايا جانبية بدلا من أن يستثمر في التفاوض الجاد حول مستقبل الصحراء.

يستطيع المغرب أن يقدم دفوعا قانونية حول أن ذهاب الأشخاص لا يلغي الأفكار التي اقترحوها، لا سيما في حال تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وفي مقدمها القرار 1813، باعتبارها المرجعية الوحيدة التي تضبط إيقاع المفاوضات السابقة والمقبلة.

ويستطيع الجانب الصحراوي ان يدفع هو الآخر بأن آراء الموفد الدولي لا تتعدى الجانب الشخصي ولم تترجم إلى قرارات أو توصيات أو لم تحظ بأي موافقة علنية من السكرتير العام للأمم المتحدة حتى وان كان الموفد الدولي السابق كان يقوم بالتمثيل الشخصي له.

وبالطبع لم تكن المسألة الصحراوية قد وصلت مرة أخرى إلى هذا الوضع إلا لأن القوى الدولية لم تقدم الاهتمام المطلوب لها، وهو الاهتمام الذي سبق وان دفع الطرفان إلى الدخول في المفاوضات المباشرة، لكن خفوت هذا الاهتمام أعادها مرة أخرى إلى نقطة البداية وستظل على هذا الحال حتى يعود الاهتمام الدولي بها وهو متوقف على خطوات متعددة لا تلعب القوى المحلية أي دور مهم فيها.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com