قبل سنوات ليست ببعيدة، كان كتاب الدراما والمسرح عندنا يعانون من قلة القضايا الدرامية الكبيرة التي يمكن توظيفها في أعمال حول البيئة المحلية، وإذا كتب مؤلف مشهدا يحدث فيه طعن بالسكين، أو سرقة بنك أو شركة كبيرة، مواطن يختلس أموالا طائلة من جهة عمله، كان قبل مقص الرقيب ورقابة لجنة النصوص يواجه رفضا قاطعا من الفنانين الذين سيقومون بأداء القصة..

وكانت جملة «هذا ما يستوي عندنا» هي المعيار الرقابي للقصص المسرحية والدرامية، لهذا بقيت الدراما وبقي المسرح لسنوات طويلة يدور في فلك قصة واحدة، هي النوخذا الذي يرفض تزويج بنته لصياد بسيط وفقير.

ثم تطور الأمر فصارت الأعمال تناقش قضايا استفحال الواسطة، وكانت مناقشة هذا الأمر في ذلك الزمان تعد نوعا من اختراق الرقابة، والممثل الذي يصرخ بأعلى صوته أمام الجمهور من فوق خشبة المسرح بعبارة «لبلاد فيها واسطة»، كان يلاقي تصفيقا حارا ويعد من المجازفين والمناضلين ويصبح حديث المجالس والكواليس.. سمعت فلان.. البارحة قال انه لبلاد فيها واسطة.. يا أخي هذا ما يخاف ايوون ويشلونه!! وطبعا ما حد من يوم قامت الحركة الفنية والمسرحية في بلادنا والحمد لله تعرض لأي نوع من المساءلة..

ما كان عندنا قضايا كبيرة في المجتمع لكي تصبح مادة غنية للدراما، لا فيه تأزم سياسي، ولا فيه صراعات أحزاب، ما كانت فيه جرائم قتل بالمعدل الذي تقع فيه اليوم، ولا بأساليبها البشعة الحالية، ما كان فيه حرامية في السوق وايد، وما كان فيه اختلاسات بالملايين.. باختصار كان المجتمع أنقى وأطهر، لهذا كان الكتاب يحارون في البحث عن قضايا تمثل دافعا لصناعة دراما مؤثرة وقوية.

. وذهبت أغلب الكتابات إلى القصص الرومانسية، والكوميدية القائمة على التسلية، وبعض المعالجات النقدية لقضايا بسيطة جدا، كالحسد والغيرة والواسطة وغلاء المهور..

لكن بين ذلك الأمس وهذا اليوم انقلب الحال، وصارت الدراما التلفزيونية والمسرح مهما بلغ بهما الخيال والشفافية في عكس الواقع لا يصلان إلى مستوى الدراما الحقيقية التي تحدث في الشوارع والبيوت والأسواق ومقار العمل.. اليوم صار عندنا قصص أكثر درامية، وتنوع الاكشن في المجتمع وتنوعت وجوهه.. وأمام كتابنا اليوم وجبة دسمة تخرج عشرات الأفلام السينمائية المحلية، أفلام فيها من الرعب ما يكفي لإبقاء المتفرج لاصقا في كرسيه، وفيها من الخبث ما يكفي لجعله فاغراً فاه طوال الوقت، وفيها من اللصوصية ما يكفي لخلق فوضى أمام شباك التذاكر..

.. ما عاد أمام الرقيب حجة اليوم لكي يقول لنا ما يستوي كذا، وهذا مب عندنا.. لأنه كل شي صار عندنا.. وصارت شوارعنا وحياتنا اليديدة فيلم اكشن وحزين ومؤلم ومرعب ومخيف على الدوام..

على الطاري:

خبر المؤسسة المحلية اللي اكتفت بالاستغناء عن موظفتها بعد قيام الأخيرة بسرقة أموال تقدر بالملايين.. وحده يصلح ليكون نواة مسلسل ثلاثي الأجزاء يخطف أضواء النجاح عن مسلسل «نور ومهند»!!

mhalyan@albayan.ae