في عام 2000 أطلقت الأمم المتحدة برنامجاً طموحاً يستمر لمدة خمسة عشر عاماً، للقضاء على أكثر الأزمات العالمية تهديداً للإنسانية. وحددت هذه التحديات في ثمانية أهداف اتفقت على تحقيقها 189 دولة وقرابة 23 منظمة عالمية.

وهذه الأهداف هي، الأول: القضاء على الفقر المدقع والمجاعة، الثاني: تحقيق التعليم الابتدائي الشامل، الثالث: تعزيز المساواة بين الجنسين، الرابع: خفض نسبة وفيات الأطفال، الخامس: تحسين الصحّة الإنجابية، السادس: مكافحة مرض نقص المناعة المكتسبة، الإيدز، السابع: ضمان التنمية المستدامة للبيئة، الثامن: تطوير شراكة عالمية للتنمية.

وفي كل عام تقوم الأمم المتحدة بقياس مقدار التقدم الذي أحرزته الدول التي وقعت على ذلك الاتفاق، كما أن بعض المنظمات الدولية، كمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD خصصت فريق عمل لمتابعة التزام دولها الأعضاء تجاه تحقيق تلك الأهداف.

وفي كل سنة ترسل المنظمة تقريراً إلى الدول المتقاعسة، تفصّل فيه جوانب النقص، وتحضها على الالتزام بوعودها تجاه المجتمع الدولي إن هي أرادت أن تستمر في عضوية المنظمة. وقبل ذلك قامت المنظمة بوضع دليل عام لشرح الأهداف، فعلى سبيل المثال، وضعت وثيقة لتشرح الهدف الأول الذي ينص على القضاء على الفقر المدقع، وحددت مصطلح «فقر مدقع» بأن يكون دخل الفرد أقل من دولار واحد في اليوم، وشرحت أيضاً لماذا وكيف تم تحديد هذا المبلغ.

ومن ثم وضعت دليلاً آخر لكيفية تطبيق الأهداف بما يتناسب مع كل دولة، ووضعت كذلك سياسات عامة لتفعيل مبادرات عملية تساهم في تحقيق الأهداف، إلى أن وصلت إلى وضع مؤشرات أداء تقاس كل عام وترسل إلى جميع الدول الأعضاء في المنظمة وتنشر على الموقع الإلكتروني للمنظمة.

من يطّلع على التقرير المتواضع الذي وضعته الأمم المتحدة على موقعها العربي، يجد أن العالم العربي لا يشار إليه بالبنان أبداً في السعي لتحقيق ولو بعض أهداف الألفية. بل إن مما يزيد الطين بلّة، أن المراقبين لم يستطيعوا الحصول على أية معلومات من الدول العربية حيال موقعها من تحقيق الأهداف.

إلى جانب أن معظم الدول العربية ليست لديها إحصائيات دقيقة عن الفقر والتعليم والأمراض وغيرها، حتى اكتفى فريق الأمم المتحدة إلى الإشارة على استحياء إلى أن (بعض) الدول العربية تقوم بجهود جيدة، وبعضها ما زال في حاجة إلى بذل المزيد، مع العلم بأن كثيرا من الدول العربية تقع في وسط المنطقة التي من أجلها وضعت تلك الأهداف.

عندما وضعت الأمم المتحدة أهداف تنمية الألفية، لم يكن هدفها هو تشجيع الدول على إطلاق مبادرات لمساعدة دول أخرى، ولكن أقلّها أن تقوم بتحسين أوضاعها الداخلية، الأمر الذي اقتصر - كالعادة - على الدول المتقدمة التي (ينحصر) دورها كما قال رئيس وزراء النرويج في تنمية الإنسان.

في دبي - ولا أقول هذا لأنها مدينتي ولكنها الأرقام - أُطلِقت عدة مبادرات للمساهمة في أهداف الألفية. ليس على المستوى الداخلي فقط، ولكن على المستوى العربي والإقليمي كذلك. ففي سنة واحدة أطلقت دبي مشروعين أحدهما يساهم في تحقيق الأهداف على المستوى العربي، وهو مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، التي خصص لها وقف بقيمة 10 مليارات دولار لينفق على التعليم والثقافة وريادة الأعمال في الوطن العربي.

وبذلك سوف تساهم المؤسسة في خلق حراك تنموي يكون همه الأول هو الإنسان العربي، من خلال الترجمة ونشر الكتب، وإنشاء مراكز الأبحاث، وابتعاث الطلبة، وإنشاء الحاضنات التي (تفرّخ) فرص عمل جديدة، وتقوي اقتصاديات الدول النامية.

ومن ثم أُطلِقت مبادرة دبي العطاء، التي حصلت على تبرعات بقيمة مليار دولار، من الصغير والكبير، الغني والفقير، في شهر رمضان الماضي فقط، وكان الهدف هو تعليم مليون طفل في بعض الدول الفقيرة.

ولقد تفاجأ القائمون على المبادرة بأنهم يستطيعون أن يوفروا تعليماً لأكثر من أربعة ملايين طفل في أكثر من ثلاث عشرة دولة في آسيا وأفريقيا بهذا المبلغ، وفي اعتقادي، ان هذا المبلغ يمكن أن يعلّم أكثر من ذلك إذا ما استثمر كوقف خيري يدر أرباحاً سنوية تصرف في برامج ومبادرات التعليم. ومؤخراً أعلنت دبي العطاء عن تخصيص ميزانية لتعليم مليوني طفل في اليمن، ومليون طفل آخر في دول مجاورة.

وقبل يومين أطلقت دبي مبادرة «نور دبي» التي تسعى إلى علاج مليون شخص مصابين بالعمى في مناطق متفرقة من العالم، بل إن دبي قد أطلقت قبل ست سنوات تقريباً مركز «تمكين» المتخصص في تعليم المكفوفين، والذي تخرج منه من حصل على جائزة دبي للأداء الحكومي المتميز، وآخرون تخرجوا من برنامج دبي للقادة، حيث وضع هذا المركز المكفوف في مصاف المبصر، وجعل الفرق بينهم هو العمل وليس البصر.

إن أجمل ما في هذه المبادرات هي الروح الجديدة التي تبثها دبي في الإنسان العربي، روح التنمية والإصرار على تقديم نموذج تنموي، يؤسس لمرحلة جديدة، ويقفل الباب أمام المشككين الذين يعتقدون أنهم يجب أن يكونوا قوة عسكرية عظمى حتى يستطيعوا أن يحققوا للإنسان حياة كريمة.

إذا أراد القائمون على أهداف تنمية الألفية أرقاماً حقيقية فليأتوا إلى دبي، فمكاتبنا مفتوحة لهم، وأرقامنا رهن طلبهم، وحتى إن أصرّوا على تصنيفنا في العالم الثالث فهذا شأنهم، أما شأننا نحن، فهو تنمية الإنسان الذي كلّما ارتقينا بعقله، ارتقى هو بعالمه.

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com