رغم كثرة مؤشرات الفشل واليأس، البادية قبل كل شيء على طرفي المفاوضات الفلسطينيين والإسرائيليين، إلا أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ظلت على حالها من التفاؤل بإمكانية تحقيق إنجاز خلال ما تبقى من العام الحالي.
رايس لا تكتفي بالتصريحات، وإنما تبذل جهداً حقيقياً، لاستثمار ما تبقى من وقت تتيحه أجندة الانتخابات الأميركية، وبدون التوقف عند الأجندات الإسرائيلية والفلسطينية، اللتان تتقلص أمامهما الفرص.
خلال زيارتها الأخيرة للمنطقة في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، وبعد أن استعرضت مع الطرفين مستوى التقدم في المفاوضات، وما تبقى من عقبات، أوصت بضرورة التقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت، بصورة عاجلة ومكثفة من أجل دفع المفاوضات، قبل أن يغادر أولمرت موقعه في السابع عشر من سبتمبر الجاري.
مهمة أقرب إلى المستحيل تلك التي تطالب بها رايس، ذلك أن الطرفين لن يتمكنا خلال نحو أسبوعين من تحقيق ما عجزا عن تحقيقه، منذ أواسط ديسمبر العام الماضي، خصوصاً وأن أولمرت قد فقد الصلاحية، قبل أن يفقدها زمنياً فيما تتعمق على الجانب الفلسطيني أزمة الانقسام بما يضعف الرئيس الفلسطيني الذي يترتب عليه أن يتخذ قرارات مصيرية.
يوم وصول رايس إلى إسرائيل، سمحت حكومة أولمرت بالإفراج عن مئة وثمانية وتسعين أسيراً هكذا بدون ثمن وفقط من أجل بناء الثقة كما قالت مصادرها، لكن مصادر دائرة العلاقات القومية في منظمة التحرير الفلسطينية أشارت في تقريرها الشهري إلى أن إسرائيل قامت خلال شهر أغسطس فقط باعتقال ثلاثمائة وأربعة وأربعين مواطناً فلسطينياً.
الأهم بالنسبة لعملية الإفراج عن الأسرى، أنها تتجاوز المعايير الإسرائيلية المعتادة بشأن الإفراج عمن يعتبرون من «ذوي الأيادي الملطخة بالدماء». هذا التجاوز الذي امتدحته وزيرة الخارجية الأميركية، لا يكفي للاستنتاج بأن أولمرت مستعد لاتخاذ قرارات مصيرية إزاء قضايا الحل الدائم التي تنطوي على استعصاءات باتت تشكل اتجاهاً عاماً في السياسة الإسرائيلية.
قبل دخوله إلى قاعة الاجتماع مع الرئيس عباس، كان أولمرت قد واجه وضعاً صعباً، حين صرح عدد من وزراء حكومته بأنه لا يملك الصلاحية لاتخاذ قرارات، وكان سبق ذلك إعلانات من قبل الأطراف الثلاثة التي تشكل أساس الائتلاف الحكومي، من شأنها أن ترسم حدوداً ضيقة لحركة أي مسؤول إسرائيلي.
حركة شاس، جددت تحذيرها من أن مناقشة موضوع القدس سيتسبب في انسحابها من الحكومة، فيما قالت المرشحة لزعامة حزب «كاديما»، وهي وزيرة الخارجية ورئيسة الوفد المفاوض تسيبي ليفني، إن من غير الممكن إحراز تقدم في المفاوضات تحت ضغط الوقت، أما زعيم حزب العمل ووزير الدفاع إيهود براك فقد أكد أن من غير الممكن تحقيق إنجاز خلال ما تبقى من العام.
إذ كانت هذه هي مواقف الأطراف الثلاثة التي يتشكل منها الائتلاف الحكومي بما في ذلك حزب أولمرت «كاديما»، وإذا كان أولمرت نفسه فاقد الصلاحية، قبل أن يغادر موقعه فعلياً، فإن التصريح الذي أدلى به رئيس الدولة شمعون بيريز بعد لقاء أولمرت- عباس، يصبح لا معنى له سوى أنه يشير إلى طبيعة الجهد الإسرائيلي الذي يسعى لتحميل الفلسطينيين مسؤولية الفشل.
بيريز قال «إن ثمة إمكانية لتجاوز قضايا الخلاف بين الطرفين لولا وجود حركة حماس»، مما يعني أن الإسرائيليين مستعدون لدفع المفاوضات، لكن الطرف الفلسطيني غير مؤهل لذلك بسبب الاعتراض الحمساوي القوي.
على أن التقييم الفلسطيني لحصيلة لقاء الرئيس عباس بأولمرت تشير إلى أن الهوة بين الطرفين أوسع بكثير مما يعتقد البعض، وبحيث لا يمكن معها تحقيق أي إنجاز وحتى الحد الأدنى من الإنجاز الذي تسعى إليه الإدارة الأميركية وهو الاتفاق على وثيقة إطار، أو ما يسميه البعض وثيقة رف، تشكل أساساً للمتابعة بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية.
كعادته رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير، الدكتور صائب عريقات، الذي حضر لقاء القمة، وقف أمام الصحافيين ليؤكد على مجموعة من اللاءات، لا للحلول الجزئية، لا للحلول المؤقتة، لا لتأجيل أي قضية من قضايا ملف الحل الدائم.
في الواقع فإن عريقات كان قد استعرض المواقف التي طرحها الرئيس عباس خلال اللقاء، وهي في حقيقة الأمر، تشكل رداً مباشراً على ما طرحه أولمرت في ذات اللقاء، مما يوضح طبيعة المسافة بين الطرفين. وقد اتضح بعد لقاء القمة أن وفدي التفاوض يجريان مباحثات مكثفة جداً، ولكن بعيداً عن الأضواء، لكن الحقيقة أن لا هذه ولا تلك تقدم من المؤشرات ما يكفي لتبرير استمرار التصريحات الأميركية المتفائلة.
هكذا فإن المفاوضات، قد نجحت مع مرور الوقت فقط في خفض التوقعات تدريجياً، فمن إمكانية تحقيق رؤية الدولتين، إلى تحديد ملامح الدولة الفلسطينية بما في ذلك حدودها، على مجرد وثيقة إطار أو اتفاق رف، وهي، أي المفاوضات تتجه نحو نقطة أعلى من الصفر بقليل، إذ يصبح المطلوب الاتفاق على إعلان ما يتجنب الاعتراف الصريح بالفشل، وبما يبقى خيار التفاوض قائماً.
ليس مهماً شكل الإعلان عن نتائج المفاوضات، لكن الأطراف الثلاثة بحاجة إلى مثل هذا الإعلان، بحيث لا تسجل الإدارة الأميركية على نفسها الفشل قبل الانتخابات الرئاسية، وأيضاً أن تحافظ على مستوى رضا إسرائيل عنها من أجل شراء الصوت اليهودي في الانتخابات.
إسرائيل أيضاً بحاجة إلى مثل هذا الإعلان للتغطية على مخططاتها الجهنمية على الأرض، ولمتابعة سياسة فرض الوقائع العنيدة، التي من شأنها أن تنسف في أي وقت أي مبادرة تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، ناهيك عن أي حل لا تريده بالنسبة للقدس واللاجئين.
السلطة أيضاً بحاجة إلى مثل هذا الإعلان حتى تتجنب الحاجة لاتخاذ قرار بشأن التخلي عن خيار المفاوضات إلى خيارات أخرى، وأيضاً لأن اعتراف الأطراف بفشل هذا الخيار من شأنه أن يضعف السلطة أمام منافسها القوي حركة حماس التي تعلن ليل نهار تمسكها بخيار المقاومة.
لقد باتت قريبة جداً نهاية الخط الذي بدأ من أنابوليس مدفوعاً برغبة دولية جامعة ينقضها إرادة العمل بشكل حقيقي من أجل تحقيق السلام في هذه المنطقة، الأمر الذي دفع الملك عبد الله بن الحسين لأن يعلن على غير عادته «أن إسرائيل لا ترغب بحل الصراع».
كاتب فلسطيني