استكملت باكستان بناء مؤسساتها الدستورية والديمقراطية، فأجرت انتخابات حرة وشفافة وتعددية شاركت فيها الأحزاب الباكستانية على مختلف اتجاهاتها وأهوائها وأهدافها، واختارت حكومة ضمن اللعبة الديمقراطية مثلت تحالف الأكثرية في المجلس النيابي.

وشهدت باكستان لأول مرة منذ زمن طويل وجود الأكثرية والأقلية التي تتنافس في مناخ صحي وشفاف وخارج التهديد والضغوط والتخويف، ولم يرفض الجيش الباكستاني الذي حكم البلاد طويلاً في السابق اللعبة الديمقراطية، ولم يحتج عندما هوجم الجنرال مشرف رئيس البلاد المستقيل والقائد السابق للجيش مما اضطره للاستقالة.

كما لم ينتفض قبل عدة أشهر عندما سحبت من الجنرال مشرف قيادة الجيش وتم منعه من الجمع بينها وبين رئاسة الجمهورية، وأخذت الأحزاب الباكستانية تعمل وتنشط بحرية وتساهم في الحياة السياسية دون خوف من المنع أو الحل أو الاتهام أو الإحالة للمحاكمة واعتقال قادتها أو نفيهم، وهكذا يبدو للناظر من الخارج أن الأمور مستقرة وتسير في طريقها الصحيحة، وأن البلاد وضعت نفسها في مسار الاستقرار والازدهار.

هذا ما يبدو ظاهرياً وشكلياً، فهل حقيقة الأمر كذلك؟ وهل تشهد باكستان مستقبلاً بالفعل استقراراً لم تتعود عليه منذ استقلالها؟ أم أنه استقرار ظاهري وهدوء عابر، لا يتعديان قشرة رقيقة تخفي تحتها حمم بركانية غير مستقرة لابد أن تنفجر يوماً وتكذب الاستقرار الظاهري؟.

إن الوضع الباكستاني قلق وسيبقى قلقاَ إلى زمن طويل قادم بسبب ظروف واقعية وشروط موضوعية متحققة في حياة البلاد، تكمن في دستورها وفي توزيع الصلاحيات بين رئيس الجمهورية والمجلس النيابي ومجلس الشيوخ والحكومة المركزية والبرلمانات الإقليمية والحكومات الإقليمية وبين السلطة المدنية والجيش فضلاً عن الدور الخفي لسلطة القبائل وتقاليدها وقيمها، والتنمية غير المتكافئة بين مناطق البلاد المختلفة والفقر والفساد.

إضافة إلى نمو إرهاب طالبان الباكستان المدعوم من قبائل الباشتون في شمال غرب البلاد والذي يجد تأييداً كبيراً لدى هذه القبائل التي أهملتها الدولة زمناً طويلاً وتفتقد للتنمية والبنية التحتية وتضيق فيها سبل العيش ويزداد البؤس، وفوق ذلك تزيد العلاقات الأفغانية الباكستانية المتأزمة الأمور تردياً.

وتبقى العلاقات مع الهند في حالة استنفار وتوتر بسبب المشكلة الكشميرية وتراكم العداء خلال ستين عاماً، وهذا كله جعل الحكومة الباكستانية ترزح تحت أعباء كبيرة يصعب عليها حملها أو حلها بسهولة ويبقى الشعب الباكستاني مأزوماً ودولته قلقة مما يجعل استقرار البلاد أمراً بعيد المنال.

أعطى الدستور لرئيس الجمهورية صلاحية تعيين قائد الجيش وقادة أركان القوات المسلحة (البرية والبحرية والجوية والخاصة) وتعيين رئيس وأعضاء المحكمة العليا، ورؤساء حكومات الأقاليم الأربعة وحل البرلمان، إضافة إلى الصلاحيات المعتادة لرئيس الدولة في نظام رئاسي، مما أبقى للمجلس النيابي ومجلس الشورى والحكومة المركزية والحكومات الإقليمية صلاحيات متواضعة تنفيذية أو إجرائية أو ثانوية.

ويدور الصراع الآن بين الكتل السياسية وسيستمر هذا الصراع مستقبلاً حول إعادة توزيع الصلاحيات، مما يقتضي إعادة النظر بالدستور والقوانين والأنظمة، وهذه الإعادة ليست صعبة دستورياً لكنها في غاية الصعوبة واقعياً لأن كل طرف سياسي يصر على أن يكون له نصيب الأسد من توزيع قرص الجبن الباكستاني، وسيكون الصراع في الواقع على تأسيس جديد للبنية الهيكلية للدولة الباكستانية.

ضغطت السياسة السعودية والأميركية والبريطانية على المرحومة بناظير بوتو وعلى الجنرال مشرف حتى تصالحا في مطلع العام الحالي، وعادت إلى باكستان في ضوء اتفاق معه، دون أن يشركا في اتفاقهما نواز شريف وهو الطرف الثالث القوي في اللعبة السياسية الباكستانية والذي كان قد انقلب عليه الجنرال مشرف وطرده من السلطة ومن البلاد.

وبعد اغتيال بوتو غدا الاتفاق بحكم الملغى واقعياً باستثناء إجراء الانتخابات الحرة التي كانت قد بدأت خطواتها الأولى قبل الاغتيال، وأصبح حزب بوتو بقيادة ابنها وزوجها غير مُلزم بالاتفاق، في الوقت الذي عاد فيه نواز شريف إلى البلاد رغم إرادة مشرف، وكانت نتيجة الانتخابات نجاح حزب الشعب (بوتو) وحزب الرابطة الإسلامية (نواز شريف) بالأكثرية وفشل حزب مشرف بالفوز بالأكثرية التي كان يمتلكها.

وتراجعت أحزاب أخرى كانت حليفة للجنرال مشرف، وهذا أعطى السلطة ديموقراطياً للحزبين الرئيسيين اللذين اتفقا على إزاحة مشرف ووراثة سلطاته ونظامه السياسي، وتغيير هيكلية الدولة التي بناها خلال تسع سنوات، في الوقت الذي لم يتفق فيه الحزبان على برنامج واحد، وتنطبق على تحالفهما نظرية وحدة وصراع الأضداد، فهما مختلفان على كل شيء تقريباً باستثناء احترام الديمقراطية والتعددية وهذا أمر طيب وهام على كل حال، ويتيح لهما مع بعض الإرادة السياسية والمسؤولة إنقاذ البلاد من الأزمة التي هي فيها.

يواجه النظام الباكستاني الحالي عديداً من المعضلات حتى لو اتفقت أطرافه (الموالاة والمعارضة) على صيغة الحكم، فمشكلات باكستان الأخرى كبيرة كائناً من كان الحكم، إضافة إلى العلاقة الملتبسة دائماً بين الجيش والسياسيين والتي تدعو للقلق وعدم الاستقرار، وعبء امتلاك السلاح النووي وتطويره، والضغوط الأميركية المتعاظمة التي كادت أن تصبح بلا حدود، وتنوء أقوى الدول بحمل هذه المعضلات وتعجز عن حلها، مما يوحي بأن طريق الاستقرار والازدهار بعيد المنال أمام باكستان، وربما سيبقى هذا البلد مضطرباً وغير مستقر لسنوات طويلة قادمة.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org