فجرت قضية كركوك أول أزمة خطيرة بين التحالف الكردستاني وبين أطراف عديدة أخرى في العملية السياسية التي بدأت على أسس دستورية في العراق منذ عام 2005. ولم يكن لحكومة رئيس الوزراء نوري المالكي دوراً ملحوظاً في هذه القضية .
رغم ان عدداً من قيادي حزبه وعدداً من شركائه في الائتلاف العراقي الموحد لم يخفوا مواقفهم المتعارضة مع طموحات التحالف الكردستاني في ضم محافظة كركوك إلى إقليم كردستان حين أدلوا بأصواتهم في الثاني والعشرين من يوليو المنصرم دعماً للمادة الرابعة والعشرين من قانون انتخابات مجالس المحافظات التي لاقت معارضة شديدة من قبل التحالف.
إلا أن حكومة المالكي أصبحت الطرف الرئيسي في أزمة أخرى مع التحالف الكردستاني تصدرت الأحداث مؤخراً وهي أزمة خانقين المدينة ذات الموقع الاستراتيجي المتميز المتاخم للحدود الإيرانية واحد المعابر المهمة بين العراق وإيران.
الأزمة بدأت بمعارضة التحالف الكردستاني لدخول وحدات من الجيش العراقي إلى المدينة لتنفيذ مهام أمنية كجزء من عملية بشائر الخير للقضاء على تنظيم القاعدة في محافظة ديالى، معتبرة هذا الدخول غير ضروري لعدم وجود ما يخل بالأمن في هذه المدينة من جهة، وتجاوزاً لحقوق إقليم كردستان من جهة أخرى.
هذه الأزمة لن تكون الأخيرة بين حكومة المالكي وبين التحالف الكردستاني فهنالك نقاط احتكاك كثيرة في مناطق أخرى من العراق وصفتها الفقرة الثانية من المادة 140 من الدستور العراقي بالمناطق المتنازع عليها والتي يُحدد مصيرها عن طريق استفتاء أهلها بشأن الموافقة على انضمامها إلى إقليم كردستان من عدمه وفق ما تنص عليه هذه الفقرة.
والحقيقة ان تعبير المناطق المتنازع عليها تعبير مرن وغامض إلى درجة يتمكن التحالف الكردستاني فيها إدخال مناطق عديدة ضمن حدود إقليم كردستان في محافظات الموصل وديالى وصلاح الدين والكوت طالما أن هناك أكراداً يسكنون في هذه المناطق. وفي ضوء ذلك يبدو أنه ليس من السهل تجنب الاحتكاك وربما التصادم .
خاصة ونحن قد استمعنا منذ نشوب أزمة خانقين إلى التصريحات المتشنجة التي صدرت عن بعض المسؤولين في إقليم كردستان وعن بعض كبار أعضاء كتلة الائتلاف العراقي الموحد في المجلس النيابي والتي ساهمت بعض الجهات الإعلامية بإبرازها بشكل تحريضي.
فالتصعيد إلى درجة التصادم احتمال قائم خاصة وأن الوضع الأمني رغم ما طرأ عليه من تحسن لا يزال هشاً، وإن هنالك جهات عديدة داخل العراق وخارجه لا تتردد في تغذية هذه الخلافات وتصعيدها في الوقت الذي نلمس فيه تراخي اليد الأميركية في الشأن العراقي وخفوت حماس البيت الأبيض.
ليس من شك بأن من راهن على سهولة إرساء الاستقرار في العراق قد أصيب بالإحباط وهو يتابع ما يحدث من خلافات بين أبرز من استفاد من العملية السياسية. فإن ما يدعو حقاً لعدم التفاؤل بالقادم من أحداث في القادم من الأيام هو وجود الأسس السياسية القوية لنشوء الأزمات ووجود الأسس الدستورية لتفاقم هذه الأزمات بدلاً من حلها.
وهذا يتمثل بكل وضوح في الطموحات الكبيرة لدى التحالف الكردستاني في التميز عن العراق من جانب، ووجود المواد العديدة في الدستور العراقي نفسه التي تضفي الشرعية على ذلك من جانب آخر. وما نشهده الآن في الحاضر ليس غير أحد الألغام الكثيرة التي وضعت في الدستور والتي سنعثر على الكثير منها مستقبلاً.
فإضافة إلى المادة 140 الخاصة بمحافظة كركوك والمناطق المتنازع عليها، هناك مواد أخرى في الدستور أثارت خلافات شديدة لم يتم حسمها حتى الآن بين حكومة المركز وحكومة إقليم كردستان حول صلاحيات التصرف بالثروات الطبيعية.
التحالف الكردستاني رغم أنه ليس أكبر الكتل السياسية في المجلس النيابي إلا أنه الأقوى من حيث حفاظه على تماسكه حتى الآن في الوقت الذي تفككت فيه معظم الكتل الأخرى. إلا أن هذه القوة قد بدأت تفقد قدرتها في التأثير على مسارات الأحداث في العراق .
بسبب سياسات اتخذتها على مدى السنوات الأخيرة ساهمت في عزلتها وعزلة أهدافها عن الطموح العراقي إلى الحد الذي تراجع تأثيرها في صناعة القرار السياسي رغم وجود ممثليها في مواقع مهمة وقيادية في الدولة العراقية.
لقد كان التحالف الكردستاني هو من وضع العقبات أمام الدكتور إبراهيم الجعفري لإشغال منصب رئاسة الوزارة حين لمس منه موقفاً غير متعاطف مع الطموحات الكردية في محافظة كركوك، إلا أن هذا التحالف لا يستطيع في الوقت الحاضر إيجاد ما يكفي من الأصوات لحجب الثقة عن حكومة المالكي التي بدأ يرى فيها أكبر العوائق أمام تحقيق طموحاته.
مع أن المالكي لا يستند في المجلس النيابي إلا على أصوات عدد قليل من نواب حزبه الذي شهد انقساما كبيراً في الفترة الأخيرة، إلا أنه يتمتع بنوع من الإجماع على مساندته في فرض القانون وهيبة الدولة والحفاظ على وحدة العراق.
ويترافق مع ما يجري من احتكاك بين حكومة المالكي والتحالف الكردستاني احتكاك آخر أقل خطورة على الحكومة ولكنه ليس أقل خطورة على الوضع الأمني في مناطق عديدة من العراق، وهو الاحتكاك مع مجالس الصحوات بغية تحجيم دورها السياسي الذي كسبته بمطاردة فلول تنظيم القاعدة في عدد من المحافظات حيث ترتفع أصوات عالية في كتلة الائتلاف لتصفية هذه المجالس.
والحقيقة أن تزامن هذا مع ذاك أمر ملفت للنظر، وذلك لأن التحالف الكردستاني ومجالس الصحوات هما الأكثر قرباً إلى الولايات المتحدة وليس بينهم من يرفع عقيرته اعتراضا على الاتفاقية الأمنية الطويلة الأمد المزمع توقيعها مع الولايات المتحدة في الوقت الذي ترتفع أشد الأصوات اعتراضا على الاتفاقية من كتلة الائتلاف التي ينتمي إليها المالكي.
إن المتابع لمسيرة حكومة المالكي لا يخطئ في تشخيص رغبتها القوية في الاستئثار بالحكم وتحجيم دور جميع القوى السياسية الأخرى في البلد، وهي استراتيجية قد ترهق كاهلها وقد تصبح غير قادرة على تحمل تبعاتها في الوقت الذي تعمل فيه جاهدة على التباعد عن الولايات المتحدة اللاعب الأقوى في الشأن العراقي.
ما يجري من أحداث ساخنة في العراق لا يمكن النظر إليه بمعزل عن مصالح دول الجوار فتحجيم دور التحالف الكردستاني قضية تُطمئن جميع الدول المجاورة للعراق بلا استثناء بسبب تخوف بعض هذه الدول من مطالب قد يسعى إليها أكرادها للحصول على وضع دستوري مشابه لما يتمتع به أكراد العراق، وتخوف دول أخرى من تراجع الهوية العربية للعراق.
كاتب عراقي : majamal@emirates.net.ae