أنطلق في هذا المقال من بعض التعقيبات التي وصلتني على البريد الإلكتروني على موضوع مقال الأسبوع الماضي، وقد كان بعنوان (حسن سيرة وسلوك)، ويتناول الاتجاه السلبي لسلوك بعض طلابنا وطالباتنا خلال الأعوام الفائتة، وكأننا نقدم لهم أحدث تقنيات التعليم، ولا نهتم بتوجيههم نحو أساسيات السلوك البشري السوي مع الآخرين عموما، ومع من هم أكبر منهم خصوصًا، ومع المعلم على وجه أخص، انطلاقا من القول المأثور: من علمني حرفا صرتُ له عبدًا.

لا أزعم بالطبع أننا نهمل تعليمهم الأخلاقيات التي تشرق على أساسها شمس دول ويأفل بغيابها نجم دول أخرى، ولكن هذا ما قد يخطر على الأذهان ونحن نرى هذا العدد المتزايد من حوادث العنف المدرسي.. المتفاوتة في شدتها وخطورتها، وفيما تمثله أو تعبر عنه، سواء ما يُنشر على صفحات الجرائد اليومية، أو ما تنقله بعض المواقع التي لا تخفي شيئًا، أو ما يتم تداوله في المجالس واللقاءات العابرة.

يقول أحد القراء إن العينة التي مثّلتُ بها على موضوعي كانت تبدأ من عام (2006م)، وهو العام الذي صدر فيه قرار يمنع ضرب الطالب، ويعطي الحق له ـ أي للطالب- بالتقدم بالشكوى من المعلم إن قام الأخير بأي تصرف مؤذ له جسديًا أو نفسيًا. لكني لم أفهم الرابط بين ما ذكرته من سوء أخلاق بعض الطلاب خلال السنوات الأخيرة، وصدور هذا القرار، بحسب إشارة القارئ الكريم.

ويتساءل القارئ: «كيف إذن سيتمكن المعلم من تأديب الطلبة ومن محاسبتهم إذا كانت الوزارة نفسها تحمي الطلبة من ضرب المعلمين؟؟» ولكني أتساءل أيضًا: هل الضرب هو وسيلة تأديبنا لأبنائنا وطلابنا؟ وأتساءل أكثر: إذا كان الضرب وسيلة تأديب، فهل هو الوسيلة الوحيدة التي كنا نمتلكها وعندما أصبحنا لا نمتلكها أصبح طلابنا دون أدب؟ هي مجرد أسئلة خطرت في ذهني من الربط الذي سرّبه القارئ الكريم بين غياب الأخلاق وغياب الضرب، مع احترامي الكامل لوجهة نظره.

نقطة أخرى تطرق لها القارئ الكريم نفسه في ختام تعقيبه، وهو أن المعلم ـ وفق هذا القرار- «لم يعد قادراً على معاقبة طلابه، ولو فعل فإنه سيحال للتحقيق والبهدلة بين مراكز الشرطة.. هذا طبعاً غير البهدلة التي سيتعرض لها من قبل أسرة الطالب».

ربما يحدث هذا بالفعل في مدارسنا.

وقد يضطر مدرس إلى تقديم الاعتذار إلى الطالب «المضروب» كي يسحب الطالب شكواه التي رفعها ضد هذا المدرس، وهو ما يشير إلى مأساوية الحال التي وصلنا إليها على المستوى الأخلاقي؛ فهذا المعلم الذي كان العالم يقف له تبجيلا، ويضعه في موضع الرسول الهادي من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة، أصبح الآن بكل بساطة يتجرع الأمرّين على من يفني وسيفني عمره ليسقيهم ماء المعرفة قطرة قطرة، دون كلل أو ملل.

وأتساءل هنا ـ بتأثير هذه الإشارة التي وردت في رسالة القارئ الكريم-: لماذا دائمًا نقلب الأمور من الوجه الجميل إلى الوجه القبيح؟ ولماذا نحوّل الأشياء الإيجابية البنّاءة إلى معاول هادمة؟ وأنا أقصد هنا الطلاب الذين أساؤوا فهم هذا القرار، وبالتالي أساؤوا التصرف.

إن القرار الذي يوصي بمنع ضرب المدرسين للطلاب إيجابي وجميل، وذو أثر تربوي ندركه جميعًا، ولكن هل يعني هذا أن نحول هذا القرار إلى أداة هدم يستطيع الطالب تحطيم المعلم بها؟ هذا سؤال أتركه مفتوحًا، وأنتقل لتعقيب قارئ آخر، أثار ما أثار أيضًا في رده الذي لا يتجاوز بضعة سطور، ولكنها كانت مركزة جدًا.

تساءل القارئ الكريم عن القدوة؟ وقال إنه لا يلوم الجيل الحالي، لأنه ببساطة ليس له قدوة ولا نموذج صالح!

ربما كان بإمكاني أن أطلب من القارئ التخفيف من نبرة التشاؤم التي تشي بها سطوره المعدودة، أو فلنقل كلماته المعدودة، ولكنني بعد أن قرأت الخبر التالي في الجريدة منذ يومين لا أستطيع ـ بصدق- أن أطلب هذا الطلب. يقول الخبر: (وقف إدارة مدرسة بأم القيوين لاتهامها بالفساد التربوي)!!!

هذا الخبر الذي سبق أن أثارته الأخت الفاضلة فضيلة المعيني في عمودها اليومي قبل مدة، وثارت معه حفيظة كل شخص عنده بقية من ذمة أو ضمير، يرد مرة أخرى قبل أيام، ولكن ضمن الأخبار المحلية، إذ ينقل الخبر صدور قرار من وزارة التربية والتعليم بإيقاف عدد من العاملين في الهيئة الإدارية في مدرسة حكومية في أم القيوين عن العمل لمدة شهر لحين الانتهاء من التحقيق معهم بخصوص تسريب الإجابات النموذجية لامتحانات الثانوية العامة للفصل الدراسي الأول من العام الماضي ليتمكن ابن المدير من دراستها وحفظ إجاباتها صباحًا قبل موعد الامتحان بوقف كافٍ (حوالي ساعة ونصف)، كما كان يتم أيضًا تسريب امتحانات الصف السادس الابتدائي، حيث إن للمدير ابنة في هذا الصف.

التحقيقات جارية في الموضوع، وقد تطال معلمين وموجهين وردت أسماؤهم في سياق التحقيق، وعند سؤالهم أنكروا أو أخفوا معلومات كادت أن تضر مسار التحقيق في القضية التي لا تعني هؤلاء الأشخاص «الفاسدين» فقط، بل تعني أكثر من ذلك بكثير،.. إنها تعني انحدار الأخلاق إلى أحط مستوياتها، وتعني انهيار الصورة المشرقة للتربويين، وتعني وجوب البكاء طويلا على مفردات طالما تغنينا بها، كالأخلاق، والتربية، والتعليم، وغيرها.

إن سلوك هذه الهيئة الإدارية يمثل إنذارًا آخر، غير الإنذارات التي سبق أن أشرنا إليها من جهة الطلبة في مقال الأسبوع الماضي، ينبهنا إلى ضرورة أن نقف وقفة صادقة مع أنفسنا، وأن ننظر إلى المرآة بعيون مفتوحة، لنرى حقيقة ما وصلنا إليه في الميدان التربوي، سواء من جهة الطلاب أو من جهة المعلمين، أو من جهة الإداريين.

الكل أصبح سواء في السوء، ولن أستدرك هنا بتوضيح عدم تعميمي للأحكام التي صدرت مني، لأننا نعرف أن «الخير يخص والشر يعم»، وأن خطأ أو فسادًا «تربويا» كهذا من شأنه أن يصم كل ما له علاقة بالتربية لسنوات، على الرغم من وجود الكثير من التربويين الأتقياء كنقاء الثلج والبَرَد، ولكنه حكم الزمان وأهله حين يُفجعون بمصاب كمصابنا هذا، ولا يملكون أن يفعلوا شيئًا.

هل ستقوم وزارة التربية والتعليم باتخاذ إجراءات صارمة بخصوص هذا «الفساد التربوي» الذي لا يمكن تصديقه، أو أنها ستنظر في القضية بعين الرأفة والرحمة، لتكون هذه الحالة بداية لانحدار أخلاقي من نوع جديد، لا نعرف إلى أين سيصل بنا؟ هذا ما ننتظر معرفته في القضية التي بدأ تحريك البحث فيها منذ عدة شهور، ولا يزال الموضوع حتى الآن قيد التحقيق.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com

sunono@yahoo.com