من المقرر أن يزور الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي سوريا يومي 3 و4 سبتمبر، فقد أعلن الرئيس الفرنسي للسفراء الفرنسيين انه سيزور سوريا في أول زيارة بهذا المستوى بعد تجميد العلاقات بين باريس ودمشق لأربع سنوات. وقال سأتوجه إلى سوريا لمواصلة حوار ضروري مع هذا البلد.

ورفض ساركوزي تمديد «عزلة» سوريا مشيراً إلى انه يفضل سلوك طريق آخر أكثر مخاطرة ربما لكن أكثر أملا طريق حوار شفاف يؤدي إلى تقدم ملموس. وكان وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير قد زار دمشق الأسبوع الماضي من اجل التجهيز لزيارة ساركوزي.

وتعود آخر زيارة قام بها رئيس فرنسي لسوريا إلى العام 2002 حين زارها الرئيس السابق جاك شيراك الذي قرر تجميد العلاقات على مستوى عال مع سوريا بعد اغتيال رئيس الحكومة اللبناني السابق رفيق الحريري في فبراير 2005 الذي اتهمت به سوريا، ولكن يبدو أن الرئيس ساركوزي لديه سياسة مختلفة في منطقة الشرق الأوسط تتطلب منه أن تكون هناك علاقات قوية مع الرئيس السوري.

فقد أعلن عقب القمة المتوسطية التي عقدت في باريس في يوليو الماضي أن المحادثات مع الرئيس السوري في باريس «اتاحت تسجيل حالتي تقدم جديدتين». ولم يكن اللقاء على هامش القمة المتوسطية يتم بين الرئيسين من دون التزام سوريا بمطالب فرنسية تتمثل في وعد ساركوزي بإعادة هذه العلاقات و بتعزيزها إذا سهلت سوريا انتخاب رئيس لبناني وهو ما تم في مايو بعد أزمة سياسية في لبنان استمرت أشهرا طويلة.

وأعلن في يوليو على هامش قمة الاتحاد المتوسطي في باريس التي شارك فيها الرئيس السوري بشار الأسد عن زيارة ساركوزي إلى دمشق من دون أن يحدد تاريخها، وهو ما بدا وكأنه جائزة من الرئيس الفرنسي لنظيرة السوري على ماتم في لبنان خاصة ما يتعلق بالإعلان عن إقامة علاقات دبلوماسية بين بيروت ودمشق للمرة الأولى في تاريخ هذين البلدين.

والزيارة التي تتم هذا الأسبوع، يبدو من تفاصيلها أنها ستحقق اختراقا في علاقات الدولتين وهى لا يمكن فصلها عما أعلنه الرئيس الفرنسي من أن سوريا قررت أن تشارك فرنسا في الوقت المناسب مع الولايات المتحدة في رعاية المفاوضات المباشرة السورية الإسرائيلية وكذلك تطبيق اتفاق السلام الذي سيثمر عنها بما فيه الإجراءات الأمنية.

وانطلاقا من هذه التطورات يمكن القول أن ساركوزي الذي ينتمي إلى الديجوليين لا يريد أن يطبق السياسة التقليدية لهم، وهو يريد أن يقترب إلى الولايات المتحدة بصورة ما في سياساته الدولية وعلى رأسها السياسة الشرق أوسطية، وبالتالي فهو يتعامل مع سياسة بلاده باعتبارها تتكامل مع السياسة الأميركية.

ولكن هذا الأمر لا يحول دون أن يسعى ساكوزي إلى الحفاظ على مناطق نفوذ تقليدية لفرنسا في المنطقة ويسعى إلى عدم تركها لكي تصبح مناطق نفوذ أميركية فيها.نخص هنا بالذكر لبنان التي سعت فرنسا إلى حل أزمتها السياسية .

ومن هنا يمكن القول ساكوزي يتعامل مع لبنان على أنها مفتاح سياسته الشرق أوسطية.وهو إن كان يسعى إلى الحوار مع سوريا وإعطائها جوائز سياسية على مواقفها من لبنان بما توج بانتخاب الرئيس ثم بإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، يمكننا القول بالتبعية أن سوريا أصبحت هي الأخرى مفتاحا مهما من مفاتيح السياسة الشرق أوسطية لفرنسا ليس على وجه الإطلاق ولكن فيما يتعلق بتصورات ساركوزي لسياسة بلاده في المنطقة.

وهو في هذا الصدد يستثمر ما يتم فيما يتعلق بعلاقاته مع سوريا لكي يثبت لكل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة انه يستطيع القيام بدور مؤثر في السياسة الدولية بدليل انه استطاع أن يدفع نظاما يعتبر وفقا لتصورات الجانبين من الأنظمة المتشددة إلى الاعتدال، وهو ما يعني أن العلاقة مع سوريا يمكن أن تصبح مفتاحا من مفاتيح السياسة الخارجية لساركوزي وليس شرق الأوسطية فحسب.

من هنا نستطيع القول إن ساركوزى لن ينهى زيارته المقبلة لدمشق من دون أن يعطى لنظيره السوري جائزة أخرى قد تتعلق بالمفاوضات بين سوريا وإسرائيل أو تتعلق بدفع الولايات المتحدة إلى تحسين علاقتها بسوريا بما يزيل المخاطر التي تتردد عن استهداف سوريا من قبل دوائر حاكمة في الولايات المتحدة الأميركية.

وقد تتمثل هذه الجائزة في اتفاقات اقتصادية بين الجانبين، ولكن بالطبع فان الجائزة الكبرى من الأفضل أن تكون سياسية لكي تحقق أهدافا للنظام السوري، خاصة على صعيد مكانته الرمزية في المنطقة المحيطة به. وبالطبع فان التقارب بين الجانبين يمكن أن يطمئن قوى لبنانية لديها حساسيات من سوريا.

وهو الأمر الذي يمكن أن يساهم في المزيد من الاستقرار في لبنان بما يساعد فرنسا في الحفاظ على ابرز مناطق نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، وعندما نقول مناطق نفوذ فإننا نقصد في المقام الأول المناطق والدول التي يوجد لفرنسا فيها مصالح سياسية واقتصادية وثقافية ولبنان وفقا لهذا المعيار هي الأكثر أهمية في المنطقة بالنسبة للمصالح الفرنسية خاصة الثقافية والسياسية على وجه الخصوص.

وسوريا على الرغم من أنها تعد منذ فترة زمنية ليست قصيرة من الدول غير التابعة للغرب ومنه فرنسا وعلى الرغم من أنها في نفس الوقت متشددة سياسياً، إلا أن هناك ارتباطات ثقافية قوية بينها وبين فرنسا بما جعل إمكانيات التقارب متوفرة، وفتح مجالات لأن تصبح من مفاتيح السياسة الشرق أوسطية لساركوزي.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com