حتى هذه اللحظة لا يدرك الكثير من الناس معنى الانعتاق الذي يغلف ليالي الشهر الفضيل، وكما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن لله تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة» ـ أي أيام وليالي رمضان ـ وبقدر ما حمل هذا الحديث الكثير من الدلالات العميقة والبشائر، إلا أنها تسقط في السباق الذي يقطعه المسلم في بحثه الدؤوب عن ما يملأ البطون.

وانشغاله في الإعداد والتحضير لاستقبال شهر الخير من أجل إقامة مجالس السمر الرمضانية التي تصرف الصائم عن الاستمتاع بلحظات العبادة، وتشغل النفس البشرية الضعيفة عن الانخراط في إحياء التواصل الرباني الذي وعدنا بالعتق من النار، والفوز بالمغفرة.

قليل من يدرك أن هناك فواتير تنتظر السداد ولا تقبل التأجيل حتى انتهاء شهر البركة، بعض هذه الفواتير لنا وأخرى علينا ولعل أهمها تلك المتعلقة بالمظالم، فمن أفضال رب السموات أن لا يرد دعوة الصائم أبدا، وكم منا من لا يحسن استثمار هذه الفضيلة التي تفتح أبواب الإجابة أمام دعاء الصائم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد»، وما أكثر المظلومين الذين لا يملكون دفع البلاء ولا قهر الظلم إلا برفع الأيادي والدعاء لكشف الغمة والنصرة.

يقول تعالى مخاطبا عباده المؤمنين (؟إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وان يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون)؟. وقد يبتلي المؤمن بعدم الاستجابة، فقد سئل احد الصالحين: لماذا ندعو فلا يستجاب لنا؟

فقال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء، عرفتم الله ولم تؤدوا حقه، وقرأتم كتاب الله فلم تعملوا به، وزعمتم محبة رسول الله وتركتم سنته، وادعيتم عداوة الشيطان ورافقتموه، وقلتم نريد الجنة ولم تعملوا لها، وقلتم نخاف النار ووهبتم أنفسكم لها، وقلتم الموت حق ولم تستعدوا له، واشتغلتم بعيوب إخوانكم ونبذتم عيوبكم، وأكلتم نعمة ربكم ولم تشكروا له، ودفنتم موتاكم ولم تعتبروا، فأنى يستجاب لكم!.

إن من الفواتير التي لا بد من دفعها في هذا الشهر الفضيل، تلك المتعلقة بحق المحتاجين والمتعففين، وربما يتساءل البعض هل هناك محتاجون هذه الأيام والعيش رخاء ونعم الله كثيرة؟ وقد لا يعرف البعض مقدار بؤس بعض الأسر التي لا تجد الكفاف وتعيش على جود المحسنين، فالفاتورة التي تنتظر السداد الأكبر في شهر الكرم، هي رؤية مبدأ التكافل متجسدا في قوله تعالى ؟(والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم؟) .

والمقصود تحديدا في هذه الآية هو أموال الزكاة، ولكن هناك أموالا أخرى يحبذ دفعها في شهر البركة، وهي التي تحث على رؤية الاندماج الحقيقي بين الناس أغنياء وفقراء، وهذا ما يغيب عن البعض فهو يعمر الموائد للسهرات وينسى تعمير البنيان الأهم بينه وبين الله، وإذا اقتربنا من فواتير بعض الناس التي تهدر في النفايات لوصلنا لحد النقمة، فكيف هي نقمة رب العالمين تجاه هذا الإسراف في نسيان حقوق الفقراء؟

من الفواتير العظيمة التي يغفل عنها المسلم في رمضان، هي إحياء حق التراحم والتواصل بين الأرحام، وكم من وشيجة تقطع ولا توصل ويموت أصحابها وهم متفارقون في الدنيا وفي الآخرة أيضا، وما أصعب الفراق، فكيف ينسى هذا المسلم فريضة الرحمة التي علقت بعرشه تعالى؟ وأورد الإمام النووي في رياض الصاحين تحت باب تحريم العقوق وقطع الرحم: عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يدخل الجنة قاطع رحم»، وفي رواية «لا يشم ريحها وإن ريحها لتشم من مسيرة كذا وكذا».

والملاحظ في زماننا هذا هو أن الغريب أصبح أكثر قربا من القريب، وأصبحت الأغلبية كالإخوة الأعداء، وأصبح التراحم بين الأسرة الواحدة كالعملة النادرة، فطغيان الماديات وهدر كثير من قيم التسامح أسقطت العلاقة المفترضة بين الأرحام، وأصبح المجتمع ضعيفا ومخلخلا، ولعل هذا هو المغزى الحقيقي وراء تعلّق صلة الرحم بعرشه تعالى حتى تعمّر البيوت وتتفشّى الرحمة، وهذا ما يفتقده واقعنا بصورة ملموسة.

لعل من الفواتير التي لا تسدد إلا مرة واحدة في السنة، إلى جانب فاتورة العبادات التي ترتبط برمضان، هي الفاتورة الصعبة التي لا بد من التمرس وترويض النفس عليها كي نحسن كف شرورنا عن الآخرين. فالصوم لا يستقيم مع الغيبة والنميمة، ولا مع أذية الناس.

ومن التحديات التي تواجه الصائم صون جوارحه وابتعاده عن شبهات القول والعمل، وهناك من يتناسى حرمة الشهر الفضيل، فيترك نفسه تجول وتصول بمجرد الإفطار، فينسى أن علاقة الصائم برمضان لا تقتصر على ساعات النهار وإنما تواصل الليل بالنهار، وما أكثر من خصص ليالي رمضان للعربدة والفجور.

كثيرة هي فواتير رمضان، وربما أكثر ما يمكن أن نسدده في هذه الشهر الكريم هو التفرّغ الحقيقي له، أن يكون شغلنا الشاغل والوسيلة الأمثل للتقرب إلى الله تعالى، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ. وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ».

كاتبة اماراتية : m.alemarat@gmil.com