ثلاث ضربات قاصمة وجهها باراك أوباما في خطابه المباشر يوم الجمعة الماضي أمام أكثر من 000,70 من المتفرجين في دنفر عاصمة ولاية كولورادو بمناسبة ترشيحه من قبل حزبه للمنافسة على كرسي البيت الأبيض.
الضربة الأولى كانت موجهة لمنافسه الأبيض جون ماكين.
الضربة الثانية - غير مقصودة - للأمة الإسلامية والعربية.
الثالثة لكل المثل الاستعمارية القديمة القائمة على العنصرية والمادية.
في ضربته الأولى لم يتردد في تسمية بوش وماكين عدة مرات كزعيمين فاشلين قادا الولايات المتحدة الأميركية للدمار وأساءا لسمعتها في العالم.
ضربته الثانية غير المباشرة تجلت في تجاهله لقضية الشرق الأوسط التي استخدمت كحصان طروادة لاحتلال منابع النفط فيها.
في ضربته الثالثة، أثبت للعالم بأن هؤلاء الفقراء ذوي البشرة الداكنة الذين جرجرتهم أميركا قبل عدة قرون من بلادهم الأصلية في إفريقيا، ووضعت القيود في أرجلهم وأيديهم وأفواههم وحرمتهم من أبسط حقوقهم ومارست ضدهم كل أنواع العنصرية و(شغلتهم) في حقول القمح عبيداً يشترون ويباعون كأي سلعة، قادرون على أن يغيروا موازين العالم ويحكموا أكبر دولة في العالم ويحتلوا البيت الأبيض.
بالطبع علينا أن ننتظر خطاب ماكين خلال أيام قلائل، ولا نغتر بالأحلام الوردية التي وزعها أوباما على مؤيديه والتي تخطط لأن تستعيد الولايات المتحدة مكانتها العالمية على الصعيد العسكري والاقتصادي والأخلاقي والبيئي بعد عقود من حكم الجمهوريين.
غير أن هذا الخطاب الذي نقلته فضائيات العالم مباشرة على الهواء ربما أحرق بعض أوراق ماكين قبل أن يتفوه بكلمة واحدة. ذلك لأن الشعب الأميركي بعد عدة ضربات موجعة على عدة أصعدة، كادت أن تطيح بهذه القارة على غرار الاتحاد السوفييتي، بدأ يتحول شيئا فشيئا إلى البحث عن الجانب الروحي والإنساني المفقود لدى هذا الشعب.
بدأت الفضائيات ووسائل الإعلام الأميركي تركز على الجانب الأخلاقي بعد أن انتشر الفساد طولا وعرضا وأصبح الجانب الإنساني مهمشا إلى درجة كبيرة في المجتمع الأميركي. إلى درجة أننا أصبحنا نعتقد بان هذا المجتمع سوف يعتنق شيئا فشيئا مزيجا مركبا من المبادئ الاشتراكية والإسلامية.
لم نسمع من قبل أوباما أي مرشح للبيت الأبيض يدافع بهذا الإصرار والعاطفة والرومانسية عن حقوق الضعفاء والفقراء والملونين وعن المساواة وعن البيئة. فهل ما زالت الجينات الإسلامية التي تشكل شريط الدي إن إيه الخفي في دم أوباما ما زالت تحتفظ بمؤثراتها في فكره؟ ربما.
فهذه العاطفة الجياشة في خطابه وهو يتحدث عن طفولته والمصاعب التي كانت تواجهها عائلته من أجل البقاء لا نجدها إلا في الخطب الإسلامية. أيا كان الأمر، فقد نجح هذا الرجل ذو الأصول الافريقية والإسلامية البسيطة والمتواضعة أن يسدد ضربة قاضية لـ (رأس) مالية ومادية وتوحش الجمهوريين، وعلى رأسهم ديك تشيني وجون ماكين وثراء زوجته وبيوته السبعة بينما هناك عشرات الآلاف من الأميركيين ممن طردوا من منازلهم وأصبحوا اليوم يهيمون على وجوههم بدون مأوى.
أما الضربة الثانية المؤثرة فكانت في وجه من اعتقد من المسلمين والعرب الأبرياء بأن أوباما كونه ذا أصول افريقية ومسلمة قد يحن قلبه ويتطرق لرفع الظلم عن الشعب الفلسطيني الذي يقاتل نفسه في شوارع المدن بدلا من أن يتحول إلى قوة منتجة. وإذا بنا أمام رئيس محتمل لا يعير انتباها إلا إلى وطنه الذي تثقف فيه وإعادة سمكرة وصيانة وصباغة البيت الأبيض بعد 16 عاما من حكم أسرة بوش.
بالطبع لا يحلم العرب والمسلمون وهم ينقلون عن أنفسهم للعالم شرقا وغربا صورة ثلاثية الأبعاد للرجل العربي المتخم الذي لا يهمه غير منصبه وكرسي الحكم وقصوره اللامتناهية، وأمواله التي تبذر في كل ما لا يدعم تطور بلده، واعتماده على صناعات الغير، وسوء التخطيط والمنازعات الداخلية وإثارة الخلافات والفتن الطائفية والمذهبية، أن يحظوا بتأييد أو حتى انتباه رجل عصامي كباراك أوباما في عالم تسوده المنافسة الاقتصادية والصناعية الحامية والذي اختار نائبا له يماثله في الاعتماد على النفس، جوزيف بايدن.
أما اللكمة الثالثة القاضية فهي التي وجهها أوباما إلى سيطرة نسبة صغيرة من كبار أغنياء أميركا على ثروات الولايات المتحدة الأميركية وإلى الضرائب غير العادلة، إلى العنصرية اللونية والمادية، إلى الفساد الداخلي، إلى التلوث البيئي وإلى انتشار السلاح بين المدنيين.
ويبدو أن واحدة من أولويات هذا الرئيس المقبل فرض مبدأ المساواة والشفافية على الجميع. وهو ما تحتاجه هذه القارة المتشكلة من الطبقات المختلفة. وهذا ما يخيف اليهود هناك. وهذه نقطة لم يلتفت إليها العرب والمسلمون جيدا. فمعظم رؤوس الأموال الأميركية تقع في يد مجموعة بسيطة من اليهود هناك. خاصة وأن تعيين أوباما لجوزيف بايدن نائبا له، قد زاد الطين بلة في إسرائيل.
فبايدن معروف بمواقفه المتساهلة فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي، ولم يعرف عنه الكثير من التودد لدولة إسرائيل، وكذلك هو الحال بالنسبة لأوباما (إلا في حدود ما قد يكسبه بعض الأصوات التقليدية). فاليوم أوباما يوحي للجميع بأنه محتاج لكل سنت لمكافحة الفقر في الولايات المتحدة، وإعادة المهجرين ضحية الأزمة العقارية إلى منازلهم وإيجاد فرص عمل للعاطلين عن العمل وتشجيع استخدام الطاقة البديلة.
وبالتالي لا أحد يعرف كم هو مستعد للتضحية بأموال ضرائب الشعب الأميركي وتأجيل تنفيذ ما وعد به من برامجه الاقتصادية، في مقابل حماية ثروات واستبداد وعنصرية دولة إسرائيل على بعد آلاف الكيلومترات؟ ولا أحد يعرف كيف سيحقق التوازن بين برنامج التقشف الذي يخطط له وما يحاول إظهاره من شفافية وموضوعية وصرامة في اتخاذ القرارات وبين تدخل اللوبي الصهيوني في توجيه السياسة الخارجية والداخلية للبيت الأبيض؟
بالطبع هناك هوة واسعة تفصل ما بين ما ينتظر أوباما إذا أصبح فعليا رئيسا وبين ما يحلم به في خطابه، بين الخيال والواقع. ولكنه في مرحلة الخطاب هذه استطاع بجدارة أن يوجه عدة لكمات مؤلمة لتاريخ بوش السياسي الذي وصمه بالفاشل وينتزع من الجمهوريين لغة الخطاب.
فمتى سيسدد ضرباته الواقعية في الأشهر الثلاثة المقبلة؟ لا أحد يعرف.
فلنغط في نومنا من جديد حتى ذلك التاريخ.
جامعة الإمارات : dralaboodi@gmail.com
