ما يحدث في القوقاز ليس مخططا روسياً سبق إعداده في موسكو بل هو رد فعل على اللعبة الطائشة، أو بمعنى أصح الجريمة التي ارتكبها رئيس جورجيا ساكاشفيلي في أوسيتيا الجنوبية في الثامن من أغسطس ولم يكن هو ولا من دفعوه لارتكاب هذه الجريمة يتوقعون رد الفعل الروسي القوية هذا الذي حرك جبل الجليد في القوقاز وأعطى مؤشرات واقعية وواضحة على تغير موازين القوى على الساحة الدولية.
مازالت الأحداث تتوالى، والاعتراف الرسمي الروسي باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا لن يكون آخر الأحداث، و من الواضح أن الفاعل في هذه الأحداث و ما سيليها سيكون هو «روسيا» دون غيرها، فقد بدا واضحا للجميع تخبط الغرب في ردود فعله على ما تتخذه موسكو من قرارات وأفعال، و حتى داخل الولايات المتحدة نفسها نسمع أراء وتصريحات متباينة، بعضها يطالب باتخاذ موقف متشدد ضد روسيا والبعض الآخر ينادي بعدم الصدام مع روسيا.
وحتى وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس لم تجد سوى الأسف كرد على قرار روسيا الاعتراف باستقلال أوسيتيا وأبخازيا، وهو رد فعل ضعيف للغاية إذا ما قارناه برد فعل الوزيرة رايس على دخول القوات الروسية الأراضي الجورجية منذ أيام، حيث ذهبت رايس تحشد الغرب كله لاتخاذ قرارات صارمة كعقاب لروسيا.
لكنها باءت بالفشل عندما وجدت الجميع يرفضون معاقبة روسيا أو حصارها، حتى الحليفة الأولى بريطانيا رفضت، وربما لهذا لم يكن لدى رايس سوى الأسف على قرار الاعتراف باستقلال أبخازيا وأوسيتيا لأنها تعلم جيدا أنه لا فائدة من الانفعال والتشنج و روسيا تملك كل أوراق الضغط الآن ولا أحد يملك ضدها أية ورقة ضغط .
لقد بدت روسيا قوية وحاسمة لدرجة لم يكن يتوقعها أحد، إذ إنها بعد اعترافها باستقلال الجمهوريتين الصغيرتين ذهبت تحاصر سفن حلف الناتو في البحر الأسود وتمنعها من دخول ميناء بوتي الجورجي، هذا يعني أن روسيا لم تعد تخشى أحدا ولم تعد ترى أن هناك من هو أقوى منها ليفرض عليها إملاءاته وشروطه.
روسيا ليست دولة مستبدة تستعرض قوتها على الضعفاء وتستغلهم لتحقيق مصالحها، ولقد سبق أن حذرت روسيا مرارا وتكرارا ولسنوات طويلة مضت من المساس بأمنها ومصالحها، وخاصة في منطقة القوقاز، لكن للأسف لم يصغ الغرب وواشنطن والناتو لتحذيراتها، واعتبروها مجرد كلام لا أكثر، الآن وعندما انكشفت المؤامرات وبدأت التهديدات تحولت تحذيرات موسكو إلى أفعال.
لا نعتقد أن استقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية هو نهاية المطاف، بل ربما يكون البداية لعودة الهيمنة الروسية في القوقاز وطرد حلف الناتو منه، والخطوات المتوقعة التالية هي زرع القواعد العسكرية البرية والبحرية الروسية في الجمهوريتين الصغيرتين، وعودة الأسطول البحري الروسي للتحرك بحرية والتجول في مياه البحر الأسود ليعوق دخول أية سفن حربية أجنبية في هذا البحر الإستراتيجي المهم.
أما ردود فعل الغرب الجماعية بالإدانة أو الأسف أو الاستنكار فلا قيمة لها، القيمة لردود الفعل الفردية لكل دولة غربية على حدة، حيث إن لكل دولة أوروبية كبيرة مصالحها الخاصة مع روسيا، وأيضا لواشنطن ولحلف الناتو مصالحهما الخاصة مع روسيا، والجميع سيبحث عن مصالحه الخاصة ولن يبكي على جورجيا و رئيسها ساكاشفيلي ونظام حكمه الذي يتداعى الآن وعلى وشك الانهيار قريبا.
ولن يفيده صرخاته المدوية يستنجد بواشنطن التي دخلت الآن في دوامة انتخابات الرئاسة ولم تعد تسمع أي شيء من خارج الولايات المتحدة، لقد لعب ساكاشفيلي لعبته الخطأ في التوقيت الخطأ، وسيجنى جزاء خطئه قريبا من شعبه وليس من جهة أخرى، أما روسيا فهي ماضية في أداء دورها و استعادة هيمنتها على القوقاز، ولن يكون استقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية هو النهاية بل هو البداية.
كاتب ومحلل سياسي روسي Luon1935@kin.ru