ها قد انتشرت مظاهر محنة اللغة العربية في كل مكان: في الصحف كثيراً ما تكتب المانشيتات العريضة باللغة العامية، وفى الإذاعة والتلفزيون تزيد يوماً بعد يوم نسبة ما يذاع بالعامية من إجمالي البرامج والأحاديث. بل نشأت في مصر قناة تلفزيونية جديدة أعلنت منذ إنشائها أنها ستلتزم باللغة العامية في كل ما تبثه من برامج، بما في ذلك قراءة نشرات الأخبار.
وفى الإعلانات قرر المعلنون أن استخدام العامية أكثر تأثيراً في الجمهور من العربية الفصحى، وفى الأدب كثر استخدام العامية، حتى في عناوين الروايات والقصص، حتى أصبح الكثير من الأعمال المسماة بالأدبية يستخدم العامية من أول كلمة في القصة إلى آخرها. ناهيك بالطبع عن الرسائل المتبادلة عن طريق التليفون المحمول أو الكمبيوتر.. الخ.
أما انتشار اللغة الانجليزية على حساب العربية فحدث عنه ولا حرج. يظهر هذا في اللافتات الموضوعة على المحلات التجارية، وفى الإعلانات عن السلع، وفى اختلاط الانجليزية بالعربية في الحديث اليومي، وفى حوارات التلفزيون والإذاعة، وفى الخطابات المتبادلة بين العرب، مع الاعتذار (أو بدون اعتذار) بضعف القدرة عن التعبير بالعربية.
وفى زيادة نسبة الرسائل الرسمية الموجهة من جهات عربية إلى شخص عربي باللغة الانجليزية، وفى الخطب التي يلقيها عرب باللغة الانجليزية في محافل عدد العرب فيها أكبر من عدد الأجانب، وكثرة استخدام أساتذة الجامعات والكتّاب للكلمات الانجليزية دون بذل جهد للبحث عن مقابل لها... الخ.
والظاهرة محزنة جداً، في رأيي ورأي كثيرين، رغم ترحيب كثير من الناس بها، وعجز كثيرين غيرهم عن أن يروا أي مشكلة في الأمر، إذ يرون فيه تطوراً طبيعياً ليس به أي غضاضة بل يعبر عن حرية أكثر وقدرة أكبر على التعبير عن المشاعر والأفكار.
أما أسباب اعتباري لها ظاهرة محزنة فقد حاولت شرحها في مقال سابق لي في هذه السلسلة من المقالات، كما شرحت أسباب نشوء هذه الظاهرة أصلاً. ولم يبق إلا أن أحاول الإجابة عن إذا كان هناك أي أمل لخروج اللغة العربية من محنتها، وما الذي يمكن أن نصنعه للمساعدة في ذلك.
منذ نحو عامين أعطاني الصديق العزيز الدكتور عبدالوهاب المسيري، الذي نكبنا بفقده منذ أسابيع قليلة، بياناً كتبه عن محنة اللغة العربية وعن المهانة التي تتعرض لها، على أمل أن يجمع أكبر عدد من التوقيعات عليه.
وقد وافقت على مضمون البيان تماماً وتعاطفت معه لكل ما شرحت من أسباب، ولكني لم أتفق مع الدكتور المسيري على اتخاذ هذا البيان أساساً للجوء إلى القضاء ورفع قضية ضد رئيس الجمهورية باعتباره مسؤولاً عن محنة اللغة العربية.
نعم، إني لا أشك في أن اللغة العربية في محنة شديدة، ولكنى لا أعتبر رئيس الجمهورية الحالي في مصر، ولا أي رئيس آخر للجمهورية في مصر أو غيرها، مسؤولاً، بأي معنى جدي، عن هذه المحنة. ومن ثم اعتبرت أنه وإن كان من المفيد إصدار بيان يوضح للناس خطورة الحالة التي وصلت إليها اللغة العربية.
فإن إلقاء اللوم على رئيس بعينه أو حكومة بعينها، أو حتى على أي شخص معين أو مجموعة من الأشخاص، ينطوي على خطأ، وقد يصرف النظر عن حقيقة المشكلة ومن ثم عن وسائل التصدي لها. لقد حاولت أن أبين في هذه السلسلة من المقالات أن محنة اللغة العربية تعود إلى مجموعة من التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي طرأت على العالم العربي، ونتجت عن عوامل داخلية وخارجية قوية الأثر.
بحيث يصعب أو يستحيل إلقاء المسؤولية على شخص معين أو على مجموعة من الأشخاص. بعض هذه العوامل يكاد أن يكون حتمياً في ظل ما مرّ به العالم العربي من أحداث منذ انتصاف القرن الماضي، وهى أحداث كان من أصعب الأمور التصدي لها أو إيقافها، خاصة وأنها كانت لها آثار إيجابية في نواح أخرى من الحياة الاجتماعية. ولكن الاعتراف بهذا لا يعني أننا يجب أن نقف مكتوفي الأيدي، وأنه لا شيء يمكن عمله لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إن الأسباب التي قدمتها كتفسير محتمل لظاهرة تدهور اللغة العربية تتعلق بالقرارات السياسية التي اتخذتها حكومات الخمسينات والستينات في عدة بلاد عربية، ثم بالانفتاح الاقتصادي، وعلى الأخص الشكل الذي اتخذه هذا الانفتاح في العالم العربي منذ السبعينات (وهو شكل الانفتاح الاستهلاكي لا الانفتاح الإنتاجي) ثم قدوم المجتمع الاستهلاكي وتدفق بعض السلع الاستهلاكية الجديدة التي خلبت لبّ الشباب العربي.
فإذا كان هذا التحليل صحيحاً فإنه يجعل من مشكلة اللغة العربية معضلة صعبة جداً، إذ لا يمكن حلّها إلا بالتصدي لتيارات شديدة القوة تدفعها تطورات تكنولوجية واجتماعية واقتصادية بالغة القوة بدورها.
والذي يؤكد هذا الاستنتاج أن اللغة العربية ليست هي اللغة الوحيدة التي تعاني من هجوم عاتٍ وتتعرض للمهانة والإذلال.
إن ظاهرة العولمة (التي جلبت إلينا الانفتاح) وظاهرة المجتمع الاستهلاكي والمخترعات الحديثة، تشمل العالم كله، وتلقي ظلّها على اللغات المختلفة للقوميات المختلفة. بل إن ظاهرة القومية نفسها تتعرض بدورها لمختلف أنواع الأذى لنفس الأسباب. يترتب على هذا أن التصدي لهذه العوامل في محاولة لحماية اللغة العربية يتطلب التصدي لظواهر عالمية ومحاولة حماية مختلف مظاهر الولاء للقومية.
بل وحماية النفس البشرية نفسها من اعتداء عالم يقدّس السلع أكثر من تقديسه للمعاني، ويعلي من شأن التمتع بالحاضر أكثر مما يشعر بالولاء للماضي، ويضخم من أهمية صغار السن على حساب الكبار، ويشجع على الخروج على القواعد الراسخة باسم تحقيق التقدم الاقتصادي والتكنولوجي.
إذا كان الأمر كذلك، فالعلاج لن يتم، للأسف، برفع قضية أمام المحاكم، أو بتحديد شخصية الجاني ومحاسبته، إذ يا ليت العلاج كان بهذه السهولة، وإنما يحتاج العلاج إلى إقناع عدد متزايد من الناس بوجود محنة وبأسبابها، وإقناعهم أيضاً بأن الخروج منها يتطلب بعض التضحيات، وأن الأمر يستحق بذل هذه التضحيات.
كاتب مصري : writers@albayan.ae