عدت قبل أسبوع من إجازتي السنوية التي قضيتها مع العائلة في ربوع الريف الإنجليزي، وخلال زيارتي كنت حريصاً على قراءة الصحف اليومية لأتعرف على ثقافة ذلك البلد عن قرب، فعلى الرغم من أنني أزور بريطانيا باستمرار إلا أنها المرة الأولى التي قررت فيها أن أعرف كيف يفكّر الإنجليز وما هي آراؤهم تجاه الآخر.

وصادفت تلك الفترة استعدادات الصين لأولمبياد بكين 2008 التي أثارت قبل حدوثها بمدة زوبعة عالمية من التكهنات السلبية في الغرب والإيجابية في الشرق. فعندما كان اليابانيون يتحدثون عن استعداداتهم لخوض المنافسات بشدة، كانت الصحف الغربية تتحدث عن الفشل المحتم الذي سيواجهه الصينيون لا محالة.

والأسباب تكمن في أن الصين لا تحترم حقوق الإنسان، ولا تحارب الفساد الإداري، كما أنها من أكثر البلدان تلوثاً في العالم، إلى جانب أنها تبيع السلاح إلى السودان وزيمبابوي - الأمر الذي لم أستطع فهمه - كما أنها دولة لا يتحدث سكانها اللغة الإنجليزية!

في صحيفة «ديلي ميرور » الصادرة يوم 6/ 8/ 2008 ورد في تقرير الأولمبياد ما نصّه: إن الصينيين ينتظرون هذا الحدث منذ مئة عام، فهو فرصتهم ليخرجوا من دنيا الذل والإهانات ويقولوا لنا «نحن بشر مثلكم».

ثم مضى التقرير يتحدث كيف أن الشرطة الصينية تعتقل الصحافيين في بكين، وكيف أن الجميع متخوف من الخروج إلى الشارع فلا أحد يعرف ماذا سيحصل له، ووضعت في التقرير صور (عش الطائر) وحوله مجموعة من الجنود تذكّر بصور جنود ستالين الذين لا يعرفون للرحمة طريقاً!

أما صحيفة «إندبندنت» فقد أوردت تقريراً تصدر صفحتها الأولى حول المشاكل التي تقف حجر عثرة في وجه بكين، والتي سوف تؤدي إلى فشل الأولمبياد. منها على سبيل المثال، انتهاكات حقوق الإنسان، حيث تعد الصين أكثر دولة تطبق أحكام الإعدام في العالم.

وذكر التقرير أيضاً أن بكين قد احتجزت أشهر ناشط لحقوق الإنسان في الصين لأكثر من ثلاث سنوات - تبدو الصين هنا أكثر انتهاكاً لحقوق الإنسان من إسرائيل التي تحتجز أسرى منذ ما يقارب ثلاثة عقود - كما تطرق التقرير إلى نسبة التلوث المرتفعة في الصين - على الرغم من أن الولايات المتحدة لا زالت تتصدر قائمة أكثر الدول الملوثة في العالم- وكيف أنها تدمر البيئة العالمية بما تقوم به من ردم للبحيرات وتلويث للأنهار وتجريف للغابات والأشجار.

بل إن التقرير اتهم الحكومة الصينية بالفساد حيث أنها أنفقت قرابة 43 مليار دولار على الأولمبياد دون أن تخبر شعبها من أين أتت بهذه الأموال، ويقول التقرير أيضاً إن الشيء الإيجابي الذي قامت به الحكومة هو أنها درّبت المتطوعين والعسكريين المشاركين في الأولمبياد ليتحدثوا الإنجليزية حتى يكونوا «أكثر لطفاً مع الزوّار».

في اليوم الذي تلا افتتاح الأولمبياد، اشتريت جميع الصحف التي وقعت عليها يداي لأقرأ ما كتبه عنها، وكانت المفاجأة أن معظم الصحف لم تأتِ على ذكر العمل الجبّار الذي أذهل العالم، إلا بشكل مقتضب في بعض الصفحات الداخلية، حتى خلت أنني أقرأ صحف يوم آخر.

وفي تلك التقارير المتواضعة قرأت جملاً مثل: على الرغم من الفساد الحكومي وانتهاكات حقوق الإنسان وتلوث البيئة وكبت الحريّات إلا أن الافتتاح كان جيداً، صحيفة أخرى قالت: لا تفرحوا بنجاح الافتتاح، فالتحدي يكمن في إدارة الفعاليات القادمة من منافسات ومباريات، وهناك ستكمن الطامة الكبرى للصين التي تنتهك حقوق الإنسان، وتكبت الحريات وتلوث البيئة.

الكل كان يتحدث عن مشاكل الصين التي لا يمكن لأحد أن ينكرها، حتى الحكومة الصينية ذاتها، إلا أنني لم أقرأ مقالاً أو تقريراً واحداً يتحدث بموضوعية عن الصين التي تحقق نمواً اقتصادياً مطرداً يتضاعف كل سبع سنوات، الأمر الذي سيوفر 10 ملايين وظيفة كل عام ما بين عامي 2000 و2020.

والغريب في الأمر، أن الصحف كانت تنشر الآراء والتحاليل (العنصرية) وكأن جميع من سيقرؤونها هم إنجليز يوافقونها الرأي تماماً. لم تستحِ صحيفة واحدة من أن تظهر للجمهور أنها ليست حيادية، بل على العكس تماماً، كانت العدائية والعنصرية سمة صارخة من سمات الصحف البريطانية أول أيام الأولمبياد.

وعلى الرغم من كل ما قيل عن أولمبياد بكين إلا أنها صنّفت على أنها أنجح أولمبياد في التاريخ، حتى البريطانيين بدأت آراؤهم تتخذ منحى إيجابياً عندما بدأ فريقهم بحصد الميداليات تلو الأخرى. وتحولت الصين التي تنتهك حقوق الإنسان وتكبت الحريات ـ بين ليلة وضحاها - إلى أفضل تجربة رياضية منذ مئة عام للمملكة المتحدة.

حيث أخذت الصحف تفرد الصفحات الأولى لتغطية أخبار الميداليات الإنجليزية، وبدأت لغة الصحفيين ومراسلي التلفزيون تأخذ منحاً أكثر تعاطفاً مع الحكومة الصينية التي أزالت 3. 1 مليون سيارة من طرقات بكين لتقليل التلوث، والتي زرعت ستة ملايين شجرة وأكثر من مليون ونصف زهرة لتلطيف الجو وتنقيته من ثاني أكسيد الكربون، والتي أغلقت مئة مصنع خلال الألعاب الأولمبية للتقليل من انبعاث الأبخرة.

وتحولت المبالغ التي (نهبتها) الحكومة من الناس إلى (استثمار في محله) كما وصفتها إحدى الصحف، حيث آتت تلك الأموال أكلها وأدت إلى نجاح الأولمبياد، حتى شبّه مراسل (الديلي ميرور) مارك أوستن أولمبياد لندن التي ستقام عام 2012 بالطفل الذي وقف مذهولاً تجاه أولمبياد بكين.

وقال: على الرغم من كل اتهاماتنا للحكومة الصينية بالفساد إلا أنها وضعت الأموال في مكانها الصحيح، وأخشى أن نفشل في أولمبياد لندن لأننا في كل مرة نريد أن نصرف جنيهاً واحداً فإنه علينا أن نحصل على موافقة عشرات الجهات الحكومية... وأخشى أن نفشل لأننا ديمقراطيون أكثر من اللازم.

تحولت الديمقراطية عبئاً أثقل كاهل الصحف التي قالت بأن بريطانيا لن تستطيع تخصيص أكثر من ملياري جنيه إسترليني - ميزانية بكين كانت عشرين مليار جنيه - والتي ستجمع معظمها من القطاع الخاص، وتمنى بعض الكتّاب أن تكون حكومته «فاسدة» لعدة أشهر فقط لكي لا تفشل أولمبياد لندن.

عندما صمم الصينيون شعار الأولمبياد قالوا إنه يمثل «قسم الأمة» التي يشكّلها أكثر من 3. 1 مليار نسمة لإنجاح هذا الحدث التاريخي. وبعد أن أوفت الأمة بقسمها ودخلت التاريخ من أوسع أبوابه، أصبح لزاماً عليها أن تبدأ بالإصلاحات المتوقعة منها لكي لا تضطر أن تكفّر عن قسمها في يوم من الأيّام.

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com