لا يفصل بيننا وبين بداية عام دراسي جديد سوى أيام قلائل، لكني أعتقد أنها كافية كي يقوم طلابنا وطالباتنا الأفاضل بمراجعة الكيفية التي قضوا بها إجازتهم السنوية، ومقدار الفائدة التي تحققت لهم خلالها، ونسبتها مقارنة بالمتعة التي ترتبط دائما عندنا بالإجازات والعطلات.

لا شك أن الفعاليات الصيفية التي نظمتها الكثير من الجهات في إمارات الدولة المختلفة، في صيف هذا العام أو خلال الأعوام السابقة، لها دور كبير في توجيه الطلاب والطالبات إلى الطرائق المختلفة التي يمكنهم استثمار أوقات فراغهم من خلالها.

وهي في كثرتها وتنوعها من شأنها أن توافق معظم الرغبات والأهواء، ومن المؤكد أن من يدخل أجواء هذه المراكز الصيفية ويتعرف إلى أنشطتها سيجد في نفسه رغبة حقيقية في المواصلة والاستمرار، إلا أن المشكلة تكمن في إيجاد طرق جاذبة تقودهم إلى أول الطريق، نحو تلك المراكز وعوالمها.

ومع الدور المهم الذي تقوم به هذه المراكز في توجيه الطلبة نحو مختلف الأشكال التي يمكنهم من خلالها تفريغ طاقاتهم، والتعرف إلى مواطن إبداعهم، واكتشاف الجوانب المخفية -حتى عنهم ـ من ذواتهم، إلا أن ذلك لا يعني أنها قادرة على محو جميع المظاهر السلبية في سلوكيات هؤلاء الطلاب، خصوصًا أولئك الذين لا يمنحون أنفسهم فرصة التعرف إلى هذه المراكز، واختبار ما لديها.

المتتبع لأخبار الدار والشؤون المحلية خلال السنوات الثلاث الماضية -على سبيل المثال ـ يلاحظ بسهولة أن طلابنا وطالباتنا يحتاجون إلى اهتمام خاص بهم، على الصعيد النفسي والاجتماعي، أكثر مما نقوم به فعلا أو قولا فقط على مستوى المادة التعليمية، والتقنيات المستخدمة لإيصالها، والخبراء الأجانب وأفكارهم التي لا تتجاوز في كثير من الأحيان إعادة اجترار ما سبق أن قدموه ولكن بأسماء جديدة.

إن حوادث العنف المدرسي، سواء بين الطلبة أنفسهم، أو بين الطلبة ومعلميهم ـ أو الإداريين ـ هي سلوكيات تحتاج بذل الكثير من الجهود كي نتمكن من السيطرة عليها قبل فوات الأوان، وقبل أن تتحول إلى ظاهرة يصعب احتواؤها. والمشكلة الكبرى هي أن مثل هذه السلوكيات التي تنم عن عنف أو ترد أخلاقي أصبحت موجودة على نحو واضح جدا في مدارس الطالبات أيضًا.

ومن يتابع أخبار مدارسنا وجامعاتنا خلال الفترة الماضية سيجد أن كثيرًا من السلوكيات بدأت فردية أولا، ثم أصبحت «شللية»، والذي يحدث في مدرسة ما، في إمارة ما، وينتشر خبره انتشار النار في الهشيم بين المدارس من أقصى الدولة إلى أدناها، نجد منه نسخة مكررة إما حرفيًا، أو على نحو مطور، في مدرسة أخرى وفي إمارة أخرى.

ومن أمثلة ذلك، مما نُشر في الصحف المحلية في وقت الحادثة، الخبر الذي ذكر قيام طالب في الصف العاشر بتصوير نفسه -بمساعدة أخيه ـ وهو يقوم بحركات غير أخلاقية، مطورًا بذلك ملفًا قامت إحدى الطالبات بنشره يتضمن صورها وهي تقوم أيضًا بحركات غير أخلاقية أيضًا.

في هذا السياق، يمكن أن نذكر الجرأة غير المحمودة التي نجدها عند بعض طلبتنا، حين تظهر في مثل هذه السلوكيات غير الأخلاقية، إذ لا يدرك الواحد منهم سوء عمله.

ولا يشعر بحرج من سلوكياته المخالفة لكل ما يجده حوله من التزام عام على المستوى الديني والأخلاقي، لذلك يجاهر الواحد منهم بأفعاله الشنيعة دون خوف من العواقب، ومن ذلك ما تعرض له مصور إحدى الصحف المحلية، حين ذهب ليغطي أخبار الامتحانات في إحدى المدارس، ليفاجأ بطالب بدأ في تعرية الجزء الأسفل منه طالبًا منه تصويره ونشره في الصحيفة التي يعمل بها (2008)!!

ولنا أن نراجع الملفات الخاصة بمدارسنا كي نعرف كيف أن مثل هذه الحوادث تنتقل بشكل سريع جدًا بين الطلاب والطالبات، مما يتطلب اتخاذ إجراءات توعية يُصرف عليها الغالي والنفيس، كي نحافظ على سلامة أجيال الطلاب والطالبات أخلاقيًا، إذا كنا نؤمن أن الأخلاق هي الركيزة الأساسية لبناء الحضارات وقيام الدول.

اعتداءات الطلاب والطالبات على مدرسيهم وإداريي المدرسة أصبحت أيضًا من السلوكيات التي تلفت الانتباه بشكل واضح، خصوصًا أن العقوبات المتخذة حتى الآن لم تكن كافية لردع أي طالب عن مجرد التفكير في التعرض لمدرس أو الاعتداء عليه.

ولو أخذنا عينة عشوائية من الأخبار المحلية على مدى سنوات مختلفة من عام (2006) إلى هذا العام (2008) سنجد أن عدد حوادث اعتداءات الطلبة على المدرسين والإداريين مرتفع جدًا، ـ وهذا بناء على ما يُكتب في الصحف المحلية، واحتمال وجود حالات لم تنقلها الصحف وارد جدًا.

وهذا يتطلب وقفة حقيقية وجادّة من قِبَل الجهات المسؤولة في وزارة التربية، دون أن تغفل التعاون مع الجهات الأخرى المختصة بإصلاح سلوكيات الطلبة الذين يحتاجون إلى ذلك، إذ ليس من الطبيعي أن نجد في مدارسنا طالبًا يعتدي على معلمه بالسكين (2006)، وآخر يعتدي على زميله بالسكين (2006)، وطالبا آخر يتسبب في جرح قطعي في أذن زميله باستخدام شفرة حادة (2006)، وطالبين يجدعان أنف زميلهما خارج أسوار المدرسة أثناء فترة الاستراحة بين الامتحانات (2006)!

كما لا يبدو لي طبيعيًا تكرر حوادث اعتداء الطلبة على معلميهم، كما فعلت إحدى الطالبات وذلك بعد أن بدأت والدتها بضرب المعلمة و«بطحها» أرضًا، والجلوس عليها (2007)، أو كما فعل أحد طلاب كلية خاصة حين اعتدى على عميد الكلية وضربه ضربًا ألزمه بيته لمدة عشرين يومًا (2008)!

إنني أتساءل عن طبيعة الإجراءات المتخذة في حق مثل هؤلاء الطلبة؟ ومن هم الأشخاص الذين يقومون بتحديد العقوبات وتنفيذها؟ كما أتساءل عن درجات حسن السيرة والسلوك، التي تُعطى للجميع بلا استثناء كاملة وافية، وكأنه لا يجوز المساس بها،..

ألا تحتاج هذه الخانة الناصعة في شهادات جميع الطلبة إلى إعادة نظر، لتكون وثائق تظهر لنا بلغة الأرقام التي أصبحنا لا نفهم غيرها في هذا الوقت أن الأمر خطير جدًا، ويحتاج إلى جهود أكثر بكثير من المبذول حتى الآن، وقبل ذلك إلى كشف جميع الأوراق، دون خجل أو حرج، حتى يُعرف موطن الداء، ليسهل بعد ذلك إيجاد الدواء.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com