تؤكد عمليات التفجير التي شهدتها الجزائر الأسبوع الماضي وأسفرت عن مقتل ما يزيد على سبعين قتيلاً، أن الأزمة الجزائرية دخلت في مرحلة جديدة، قد يكون من بين ملامحها عمليات قتل وعنف تختلف عن تلك التي شهدتها الجزائر منذ بداية أزمتها السياسية في عام 1991.

وقد بلغت الموجة الأخيرة حداً دفع مجلس الأمن الدولي إلى إصدار بيان إدانة، دعا فيه إلى ملاحقة مرتكبي التفجير، فيما تمسّكت الحكومة الجزائرية بسياسة المصالحة الوطنية لتعزيز الأمن في البلاد، مؤكدة مواصلتها «محاربة الإرهاب بلا هوادة»، كما أدانت كل من الصين وروسيا واليابان وأسبانيا والأردن العمليات الانتحارية التي شهدتها الجزائر.

وهذه التفجيرات تطرح تساؤلات حول مستقبل العنف في الجزائر وحول أسباب عودة تنظيم القاعدة الذي أعلن مسؤوليته عن الحادث إلى العمل مجدداً.

وفى هذا الصدد يرى العديد من المراقبين المعنيين بالمغرب العربي إن عودة العنف بشكل كبير قبل أيام من بدء شهر رمضان المعظم جاءت بعد فترة هدوء يعتقد ان تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي استغلها لإعادة تنظيم صفوفه وتجنيد المزيد من الأنصار، وجمع كميات ضخمة من المال، عبر عمليات اختطاف للأثرياء ورجال الأعمال، ومقايضة إطلاقهم مقابل مبالغ وصلت في بعض العمليات إلى حوالي مليوني دولار للشخص الواحد.

وإذا كانت هذه المقولات صحيحة في مجملها فإنها لا يجب أن تنسينا أن تنظيم القاعدة له توقيتات سنوية لعملياته جعلتها أشبه بالمواسم ومن يتابع العمليات التي تشهدها الجزائر سيجد أنها تتكثف وتزيد كل عام مع اقتراب شهر رمضان المعظم، ولكن الجديد هذا العام يتمثل في تعاقب الهجمات بشكل سريع بما يعني أنها عمليات تم التجهيز والتخطيط لها منذ وقت طويل.

والخطر الذي يهدد الجزائر يمكن فيما يراه بعض خبراء الإرهاب حول أن زعماء تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي يبحثون عن توسيع منطقة نشاطهم إلى ما وراء منطقة «مربع الموت» التي تشهد عادة عملياتهم، لإجبار قوات الأمن على الانتشار في مناطق أخرى، بما يُفكّ الحصار المفروض عليهم في منطقة القبائل.

وفى هذا الصدد قال محرر شؤون الشرق الأوسط في نشرة «كانتري ريسك» الأمنية ان هناك مخاوف من أن يكون من نفّذوا التفجيرات متشددين تلقّوا تدريبات مع مسلّحين يقاتلون القوات الأميركية في العراق، بما يعني أنهم أكثر قوة وتنظيماً عما هو معروف لرجال الأمن الجزائريين عن تنظيم القاعدة. وهو الأمر الذي يعني أن علاقة التنظيمين قد أصبحت قوية وهو أمر ليس جديداً بالنسبة لمتابعي التنظيم حيث ان نهاية عام 2006 شهدت خطوات جدية على هذا الطريق.

وهناك بالطبع أهداف أساسية من هذه العمليات يمكن أن نجملها في ثلاثة رئيسية في مقدمتها وما أعلن عنه بعض التائبين من التنظيم المسلح ان مثل هذه الهجمات تتيح لقيادته تجنيد أعداد جديدة من المؤيدين ضمن ما يطلق عليه الخلايا الانتحارية، خاصة في الأحياء الشعبية، في الضاحية الشرقية للعاصمة حيث تم تسجيل أكثر من 25 مجنداً في حي بوروبة الشعبي بمفرده.

أما ثاني الأهداف فيتمثل في تحقيق أهداف دعائية وإعلامية فقد صرح مصدر أمنى جزائري ان العمليات التي نفذها التنظيم الأسبوع الماضي كانت تهدف إلى إحداث الصدى الإعلامي، وقال ان أعضاء القاعدة يستهدفون الثكنات الواقعة في المراكز المدنية بغرض إجرامي هو قتل أكبر عدد من الضحايا.

في الوقت نفسه اعترف نشطاء في التنظيم المسلح عبر مواقع في الانترنت محسوبة على «القاعدة» بأن عملياتهم وجهت ضد مراكز الجيش، لكن تنفيذها في المناطق الحضرية تسبب في مقتل عدد كبير من المدنيين العزل.

أما ثالث الأهداف فيتمثل في العمليات الأخيرة التي تمثل رداً من تنظيم القاعدة على أجهزة الأمن، لإظهار أن التنظيم المسلح لا تزال لديه القدرة على إلحاق الضرر بالمنشآت في المناطق التي تشهد منذ أسابيع عمليات تمشيط واسعة، أدت إلى مقتل 12 من قياداته الأساسية.

ولكن هذا الأمر يحيلنا إلى نقطة أخرى جوهرية تتعلق بجدية الحكومة في الاشتباك مع الظاهرة الأصولية العنيفة في الجزائر ذلك انه يكاد يكون هناك اتفاق بين مراقبي الداخل والخارج على ان وقف عمليات التجنيد مرتبط بتحسن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. إذ أن أحياء الصفيح المنتشرة في المدن الجزائرية تحولت إلى مكان مفضل لانتقاء من يطلق عليهم مسمى الانتحاريين الجدد ضمن «القاعدة».

وفى هذا الصدد يذكر أن مفجر مبنى قصر الحكومة مروان بودينة المكنى معاذ بن جبل في 11 ابريل 2007، كان هو أول مجند من أحياء الصفيح. ولكن على الرغم من وعود الحكومة مع كل عملية كبيرة يقوم بها تنظيم القاعدة بتحسين أوضاع هذه الأحياء فإنها لا تزال على حالها ولا تشهد أي تطوير بل ويعيش سكانها في ظروف معيشية غير إنسانية. الأمر الذي يعني أنها تظل منبعاً لتنظيم القاعدة من أجل تجنيد عناصر جديدة على الرغم من حصار السلطة له.

وهذا الأمر يعني أن الجزائر سوف تشهد على الدوام عملية إعادة إنتاج لأزمتها الطاحنة طالما أنها لم تشتبك مع الأسباب الأصلية لها. وهنا لابد من الإشارة إلى أن هذا الأمر لا يقتصر فقط على حكومة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة ولكن على كل الحكومات والأنظمة التي تعاقبت على الجزائر منذ بداية أزمتها وحتى الآن.

كاتب مصري

srgany@hotmail.com