بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي، وبعد انتهاء الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب، ظن الكثيرون أن العالم سيهنأ أخيرا بالسلام والاستقرار، وكانت روسيا من الدول التي اعتقدت أنه بتخليها عن الأيديولوجية الشيوعية وسياسة الأحلاف العسكرية وإتباعها سياسات السوق الحر والانفتاح على العالم كله سوف يفتح لها العالم ذراعيه مرحبا وسعيدا بها.
وأبدت موسكو حسن نيتها وصدق مساعيها للتعاون من الجميع في الشرق والغرب، ولم يعد لدى الروس أية طموحات خارجية سوى أن يتعامل معهم الآخرون بحسن نية بناء على مبادئ القانون الدولي والمصالح المتبادلة واحترام السيادة.
فوجئت روسيا في سنوات التسعينات من القرن الماضي بمساع غربية سيئة النية تجاهها، حيث قرر حلف شمال الأطلسي التوسع شرقا لضم دول جديدة من المعسكر الشيوعي السابق ومن جمهوريات الاتحاد السوفييتي، وسعت واشنطن والحلف لزرع أراضي هذه الدول الجديدة بالأسلحة الإستراتيجية الحديثة، وفوجئت ببعض الأنظمة الحاكمة في الجمهوريات السوفييتية السابقة تتخذ مواقف عدائية من روسيا لا لشيء سوى لإرضاء واشنطن والغرب، ولم تفهم روسيا لماذا كل هذا العداء في الوقت التي تمد هي يدها للجميع للتعاون وتبادل المصالح ؟.
انهارت روسيا في التسعينات وانهار اقتصادها وقوتها العسكرية بفعل مجموعات من المافيا المدعومة والممولة من الغرب والتي أطلقت على نفسها اسم «الديمقراطيون الروس الجدد»، وجاءت الألفية الثالثة وجاء معها لروسيا نظام حكم وطني خالص يؤمن بعظمة روسيا وقدراتها وإمكانياتها لاستعادة أمجادها، وبدأ الرئيس السابق بوتين وبسرعة برامجه للتنمية والنهوض وإصلاح البلاد.
ونهضت روسيا واستعادت سيطرتها على ثرواتها واستعادت قوتها العسكرية عافيتها، وتقدم بوتين للعالم كله بسياسة انفتاح كاملة ملؤها حسن النية والرغبة في التعاون مع الجميع من أجل التنمية والسلام والاستقرار، لكن روسيا فوجئت بأن الغرب مازال مصمما على سياساته العدوانية تجاه روسيا، ومازال حلف الناتو مصمما على توسعاته لوضع قواته وأسلحته على الحدود الروسية.
ومازالت واشنطن مصممة على زرع منظومة درعها الصاروخي بالقرب من الحدود الروسية مهددة أمنها واستقرارها، وأكثر من ذلك أن روسيا فوجئت بأن الغرب يسعى لتفتيت وحدتها الفيدرالية وخلق الاضطرابات والنزاعات على حدودها وجرها لهذه النزاعات من أجل استنزاف طاقاتها وقواتها والحد من نموها وتطوره.
واعترضت روسيا على هذه التصرفات محذرة الغرب وواشنطن من تصرفاته العدوانية تجاه روسيا ورفضه التعامل معها على أسس العدالة وحسن النية وتبادل المصالح، ووصل الأمر بالغرب إلى تمويل وتجهيز أنظمة حكم في الدول المجاورة لروسيا لدفعها للتحرش بها وجرها للحروب.
لقد شعرت روسيا بأن الغرب وخاصة واشنطن لا يريدونها قوية وغنية تتمتع بمواردها الطبيعية وتبني اقتصادها، وفوجئت أن الأمر ليس خوفا من المنافسة الشريفة في الأسواق العالمية بل هو أبعد من ذلك، حيث إنهم يطمعون في إضعاف روسيا بالدرجة التي تمكنهم من السيطرة على ثرواتها ومنعها من ممارسة أي دور على الساحة الدولية.
و جاءت أحداث القوقاز الأخيرة لتثبت وجود مخطط غربي عدواني تقوده واشنطن يستهدف روسيا مباشرة، وما كان على روسيا في هذه المرة أن تسكت وتتغاضى عما يحدث على حدودها، ولهذا هبت هبتها القوية لتضع حدا لأحلام وطموحات الأشرار، روسيا التي عقدت العزم من قبل ألا تخوض في أية نزاعات مسلحة لم يكن أمامها خيار سوى استخدام القوة لحماية أمنها ومصالحها ورعاياها، وكان الدرس قاسيا على الغرب وجعله يتخبط بعد أن جعلت روسيا من جورجيا عبرة لمن يريد أن يعتبر.
الدرس الذي خرجت به روسيا من هذه الأزمة هو أنها لن تستطيع أن تحمي مصالحها وتنهض بدون أن تستخدم قوتها وتكون حاسمة في عالم لم يعد يؤمن إلا بسياسة القوى، ولم يعد فيه مكان مرموق وفعال إلا للأقوى.
كاتبة ومحللة روسية