ما الذي حدث خلال الخمسين عاما الماضية فدفع اللغة العربية إلى المنحدر الذي وصلت إليه اليوم؟
هناك أولا ما حدث من تدهور في التعليم، بما في ذلك، بل وعلى الأخص، تعليم اللغة العربية. لقد شهدت العقود الخمسة الأخيرة بزوغ ونمو تلك الظاهرة التي يمكن تسميتها ظاهرة «الجماهير الغفيرة»، حيث تضافر النمو السريع في السكان مع ميل الحكومات العربية إلى اتخاذ إجراءات «ثورية» للتقريب بين الطبقات، وكان هذا يتضمن التوسع في التعليم وإتاحته مجانا لكل راغب فيه.
واستتبع هذا بالضرورة تقدم كمي على حساب الكيف، إذ لم يكن من الممكن توفير العدد اللازم من المدرسين الأكفاء، بالسرعة المطلوبة، وكان من المحتم أن تكتظ الفصول بالتلاميذ على حساب نوع التعليم الذي يحصلون عليه.
كان هناك من خبراء التربية من حذّر من عاقبة هذا التوسع الكمي على حساب الكيف، إذ فضلوا توسّعا أبطأ في نشر التعليم مع الاحتفاظ بالمستوى أو الارتقاء به. ولكن هؤلاء الخبراء كانوا ذوي مزاجٍ يتعارض جذريا مع مزاج الحكومات الثورية، فلم ينصت إليهم أحد من «الثوّار».
ولكن السرعة لم تكن فقط في التوسع في التعليم. فالمزاج الثوري (خاصة إذا كان أصحابه ضباطاً) ينفر من التعمق في أي شيء، ولا يرى دائما ضرورة لدراسة آثار القرار قبل اتخاذه. والثوريون لا يعلقون أهمية كبيرة على أي حال على الجوانب الجمالية والجذور التاريخية لأي موضوع، فالمهم دائما هو النتائج العملية.
والالتزام بقواعد اللغة أو المحافظة على التراث الأدبي والثقافي لا يحتلان عادة مكانا عاليا في سلم الأولويات. والحكومات الثورية بطبعها يهمها إرضاء العامة أكثر مما يهمها إرضاء الصفوة. لاعجب إذن أن تتخذ هذه الحكومات موقفا متساهلا (بل ومشجعا) إزاء شيوع استخدام العامية، بل وأن يستخدم الحكّام اللغة الدارجة في خطبهم وتصريحاتهم بعد أن كان هذا يعتبر تصرفا مذموما من الحكام القدامى. ومادام الناس على دين ملوكهم فقد شجع هذا المسلك على انتشار استخدام العامية حتى في المجالات التي لم يكن من المألوف أن تستخدم فيها.
ولكن من الخطأ قصر اللوم في تدهور اللغة العربية على الإجراءات الثورية التي شاعت في الخمسينات والستينات، إذ لم يكن ما حدث في العقود التالية أقل خطورة. كان هناك الانفتاح الاقتصادي في السبعينات، الذي انتشر الأخذ به من دولة عربية لأخرى. والانفتاح له آثار معروفة في الاقتصاد ولكن كانت له أيضا آثار وخيمة على اللغة.
فالانفتاح ينطوي على فتح الأبواب للسلع والاستثمارات والأشخاص والأفكار، وهذه جميعا تأتي وفي صحبتها لغات أجنبية (وعلى الأخص اللغة الأكثر انتشارا في العالم وهي الانجليزية). هذه اللغات الأجنبية تظهر في المكتوب على السلع، وفي الإعلانات المروّجة لها، وعلى ألسنة ممثلي الشركات القادمين للتمهيد لدخول السلع ورؤوس الأموال، وألسنة السواح الذين يفدون إلى البلاد ويختلطون بمختلف فئات الشعب.
كما أن الأنماط الجديدة للاستهلاك التي يأتي بها الانفتاح، تأتي مصحوبة بألفاظ وتعبيرات جديدة تلائم السلع والخدمات الجديدة. والانفتاح يتطلب التعامل مع أعداد أكبر من الأجانب، والتفاهم معهم، فينتشر الإقبال على تعلّم لغتهم، وتصبح لإجادة هذه اللغة «ميزة اقتصادية» يتميز بها بعض الناس عن بعض، فينحسر الاهتمام باللغة القومية بقدر ما يشتد الاهتمام باللغة الأجنبية.
حتى ان بعض الكليات الجامعية شرعت في تقسيم الدراسة إلى قسمين، قسم «قديم» يدرس باللغة القومية، وقسم «حديث أو عصري» يدرس بلغة أجنبية، ويطلب من التلاميد شراء كتب أعلى ثمنا، كما تتقاضى منهم مصروفات أعلى تتناسب مع «المقام الأعلى» للغة الأجنبية التي تفتح الباب للترقي الاقتصادي.
والانفتاح كما يجلب اللغات الأجنبية إلى داخل البلاد، يدفع أهل البلاد إلى السفر للعمل في الخارج والعودة (إذا عادوا) بلغة جديدة تقترن أيضا بالارتقاء الاقتصادي والاجتماعي الذي يحققه المسافرون والعائدون، فيزداد القهر الذي تتعرض له اللغة القومية.
ولكن الانفتاح الذي حدث في البلاد العربية ابتداء من السبعينات، لم يكن كأي انفتاح حدث قبل ذلك (كالذي اقترن مثلا بقدوم الاستعمار البريطاني أو الفرنسي)، بل كان انفتاحا على مجتمع استهلاكي شديد النهم إلى السلع الجديدة وأنواع غير مألوفة من الخدمات.
إنه انفتاح مقترن بانتشار التليفزيون، وجلوس الكبار والصغار أمامه ساعات طويلة من النهار والليل، كما يقترن بانتشار الراديو المحمول وأجهزة التسجيل وأفلام الفيديو والقنوات الفضائية، ثم بالكمبيوتر والتليفون المحمول اللذين يمكن من خلالهما إرسال وتلقي الرسائل في الحال .. الخ.
والمجتمع الاستهلاكي سريع الإيقاع، لا وقت فيه يمكن تضييعه في محاولة إجادة التعبير أو مراعاة الدقة فيه. بل حتى أوقات الفراغ أصبح الوقت فيها ثمينا للغاية بسبب كثرة ما يمكن (أو بالأحرى ما يجب) استهلاكه، إذ أصبح استهلاك هذه السلعة أو تلك واجبا من الواجبات التي لا يجوز التقصير في أدائها، ويكاد يشبه الأعمال التي يفرضها القانون أو الأخلاق.
في ظل هذا الإيقاع السريع للحياة يصبح من المطلوب في اللغة السهولة أكثر من الجمال، وتبليغ معنى معين بأي شكل من الأشكال، ولو اختلط التعبير الأجنبي بالتعبير العربي، ومن ثم تصبح العامية السهلة والسريعة (المختلطة بالتعبيرات الأجنبية) مفضلة على اللغة العربية ذات القواعد الصارمة.
اقترن الانفتاح وانتشار عادات المجتمع الاستهلاكي في البلاد العربية بارتفاع نسبة صغار السن إلى إجمالي عدد السكان بسبب ارتفاع معدل المواليد (بعكس الحال في الدول الأكثر رخاء)، كما اقترنا بضعف فكرة القومية العربية التي كان قد أشتد عودها في الخمسينات والستينات، وبتراخي الجهود الساعية إلى تحقيق نوع أو آخر من الوحدة العربية.
وعندما يتركز تفكير كل دولة عربية في نفسها، لابد أن يعلو شأن اللغات واللهجات المحلية، وتترعرع اللغة العامية، وهي لغة تفضلها على كل حال هذه الأجيال الجديدة من الشباب، الأسرع مللا، والأكثر تطلعا للجديد ونفوراً من القديم. فإذا بالدعوة إلى الالتزام بقواعد اللغة القومية تقابل بالرفض أو الاستهتار.
هذه هي بعض العوامل التي أدت إلى المحنة الحالية للغة العربية. فما الأمل في خروج هذه اللغة العظيمة من محنتها؟ وما الذي يمكن عمله لإنقاذها؟ هذا هو موضوع المقال القادم والأخير من هذه السلسلة.
كاتب مصري