انتهت إجازة الصيف وليس بعد موسم الصيف. وبعد سبعة أيام من اليوم تبدأ دورة عملية وسياسية واقتصادية وسوق أسهمية وحربية واجتماعية ونفسية وعلمية وإعلامية وسينمائية وثقافية وأدبية جديدة وفي انتظارنا قضايا عدة توقفنا عندها قبل بداية الإجازة السنوية لنا ولكل المسؤولين في العالم.

ومع بداية هذه الدورة تماماً يبدأ بالنسبة للمسلمين هذه السنة شهر رمضان الكريم. والكثيرون يعتقدون خطأ أنه من بين الأشهر الحرم التي حرم فيها العرب في الجاهلية وما قبلها القتال أو القيام بأي عمل حربي أو عدائي. وهو ليس كذلك، بل بالعكس تماماً حيث حدثت موقعة بدر في شهر رمضان التي اعتبرت رمزاً من رموز انتصار الإسلام على أعدائه. المهم أن كل شيء تقريباً توقف عن الحركة في بداية شهر يونيو وسيعود البشر بنشاط أكبر لاستكمال ما توقف عنده بعد أسبوع تقريباً.

هناك أولاً الانتخابات الأميركية. ورغم أن المتنافسين هناك لم يستمتعا بإجازة مثل الآخرين، إلا أن نشاطاتهما تقلصت ولم يعر العالم اهتماماً كثيراً إلى أحاديثهما وتصريحاتهما ومنافستهما الحامية على البيت الأبيض الذي أصبح رمادي اللون بعد مرور أكثر من خمس سنوات من تصاعد أدخنة الحرب التي دفعتها الرياح إلى حيث ينام ويأكل ويعمل الرئيس جورج بوش الابن فقلبت موازينه ومستقبل حكومته وهو يشاهد بأم عينيه نعوش الجنود الأميركيين التي فاقت الأربعة آلاف نعش محمولة على متن الطائرات الحربية الخاصة إلى حيث مثواهم الأخير في مساقط رؤوسهم.

وهناك أيضاً احتمالات شن ضربة عسكرية قاصمة على منشآت إيران النووية قبل خروج صقور حكومة الجمهوريين المحتمل من هذا البيت بعد 16 عاماً من حكم آل بوش فيه تتويجاً لحبهم لدولة إسرائيل وتأكيداً لكرههم لأي تقدم إسلامي في أي مجال وفي أي مكان من العالم.

ورغم محاولة إيران إثبات قدراتها الدفاعية والحربية وتطورها في مجال الفضاء لتصبح عاشر دولة في العالم تمتلك هذه التكنولوجيا بإمكانيات محلية بحتة، إلا أن ذلك كله فيما يبدو لن يردع رئيس الولايات المتحدة الأميركية الذي سيترك بكل تأكيد منصبه بلا رجعة، وكما يقول المثل يا رايح كثر الفضايح.

ولكن في حالة اتخاذ هذا القرار الآن بعد العطلة الصيفية فإن الكارثة أياً كانت نتائج الضربة ومداها ستكون مدمرة على مستوى المنطقة. بالطبع شعب الولايات المتحدة وجورج بوش وصقوره بعيدون جداً عن أتون الحرب، ولكننا نحن الذين نعيش على مقربة منها سندفع ثمنها على مدى عقود من الزمن، تماماً كما ندفع الآن ضريبة حرب العراق والحرب على الإرهاب.

سنعود من الإجازة وإيهود أولمرت ـ الذي حرم لذة النوم خلالها ـ يحزم أمتعته لمغادرة مقر الحكومة الإسرائيلية بعد انتشار رائحة الفساد والفضائح المالية والرشاوى وخضوعه لعدة تحقيقات قضائية في هذا الشأن. ولكن يبدو أن قرار عزله يعود في الأصل إلى فشله الذريع في حرب لبنان الأخيرة والتي عرض فيها حياة الإسرائيليين وسمعتهم واقتصادهم للخطر.

وبدلاً من الاعتراف بهزيمة جيش إسرائيل أمام مجموعة من المقاومين وجدوا حلاً يحفظ للدولة العبرية ماء وجهها، يتمثل في نبش الملفات القديمة جداً لهذا الرئيس المتسرع الذي لم يعرف عنه أنه كان في يوم من الأيام رجل حرب أو حتى مفاوض من الدرجة الثانية على أبعد تقدير خاصة بعد صفقة تبادل الأسرى مع حزب الله والتي خرج منها صفر اليدين. ولا نعرف بعد إن كانت الحكومة الجديدة القادمة مع نهاية الإجازة سوف تعيد دراسة أوراق تعاملها مع المنطقة وعلى رأسها قضية تطبيع العلاقات مع سوريا.

وربما هذا ما أراد الرئيس بشار الأسد الإشارة إليه في زيارته الأخيرة إلى روسيا والتي أثارت ذعر وقلق إسرائيل وانتقاد الولايات المتحدة الأميركية. وجاءت مخاوف المسؤولين الإسرائيليين في أعقاب تصريحات الأسد والتي أكد فيها استعداد بلاده لمناقشة مسألة نشر شبكة صواريخ «اسكندر» الروسية الدفاعية على أراضيها. فكيف تحولت الأمور خلال شهور الصيف من دعم مفاوضات السلام إلى البحث عن المواجهة المسلحة؟

نعود من الإجازة ونحن لا نعرف إن كانت زيارة الأسد وأحداث جورجيا الأخيرة هي مؤشرات واضحة لعودة سباق التسلح بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية. أي للحرب الباردة التي اعتقدنا أنها ولت بلا رجعة. للأسف الشديد فإن التصريحات الأخيرة للجانبين توحي بأن الأمور تسير في هذا المنعطف الخطير.

العالم عاد من الإجازة الصيفية وهو يأمل بدلاً من الإنفاق على الحرب والانزلاق في سباق التسلح باقتصاد عالمي أكثر استقراراً وأكثر رحمة. فهل يحلم فقراء العالم بالحصول على قيمة الرصاص والقنابل والصواريخ على شكل قطعة خبز أو رائحة شواء بقري وليس بشرياً؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com