لا يخفى على أحد حجم التحديات التي تعيشها دول منطقة الخليج العربية في هذه الفترة بالتحديد حيث ان هناك جملة من التحديات فرضتها التطورات الإقليمية الراهنة في المنطقة؛ فحرب العراق والإطاحة بنظام صدام حسين فتحا وبقوة ملف المسألة الطائفية في منطقة الخليج العربي؛ صحيح أن هذا الموضوع ليس بموضوع جديد على المنطقة الخليجية بل يرجع بأصوله التاريخية في التاريخ المعاصر إلى الثورة الإيرانية .

ومن ثم حرب السنوات الثماني بين العراق وإيران التي أمدت هذا الصراع بأسباب البقاء لكن حرب العراق الأخيرة واللعب على وتر الطائفية، والاستقطاب السياسي الذي شهدته الساحة اللبنانية على إثر الحرب اللبنانية ـ الإسرائيلية الأخيرة .

والذي ظهر في شكل استقطاب طائفي ومذهبي ألقى بظلاله على دول الخليج العربية خاصة تلك الدول التي تضم بين رعاياها نسبة ليست بالقليلة من الذين يتبعون المذهب الشيعي، وبدأت المسألة تُطرح في الأوساط السياسية والشعبية في مثل تلك الدول الخليجية، وبدأ السؤال حول الوحدة الوطنية يشغل بال الكثيرين.

وفرضت الظروف الإقليمية على الدول الخليجية تحدياً خطيراً آخر هو مسألة الملف النووي الإيراني وخاصة في الفترة الأخيرة التي شهدت تزايد التوتر والتصعيد من الطرف الإيراني.

حيث ظهرت في شكل تصريحات سياسية تحمل في طياتها بذور التهديد والوعيد وما رافقها من التحرك الإيراني الأخير بافتتاح مكتبين إداريين في جزيرة أبو موسى الإماراتية ضاربة بعرض الحائط كل المساعي الإماراتية والعربية من أجل إيجاد صيغة سلمية تحفظ التزام الطرفين الإيراني والإماراتي بالاتفاقية الثنائية الموقعة بينهما في بداية سبعينات القرن المنصرم؛ وكذلك مع تزايد التهديدات الدولية بضرورة وضع حد لاستمرار رفض إيران وقف برنامجها النووي والتعاون مع المجتمع الدولي في هذا المجال.

في الوقت ذاته نجد أن العلاقات الإيرانية ـ التركية شهدت قبل عدة أيام اتصالات رفيعة المستوى تمثلت في زيارة الرئيس الإيراني لاسطنبول ولقائه بالرئيس التركي عبدالله غول ورئيس الحكومة طيب أردوغان.

في الواقع فإن هذه الاتصالات مع تركيا تزيد من قوة إيران، فإيران تريد أن تكسب تركيا كورقة إقليمية في صالحها في حالة قيام مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، ولعل ورقة الاقتصاد لاسيما الغاز والنفط تلعب دور مهماً في يد الحكومة الإيرانية من أجل استخدامها لكسب تركيا إلى جانبها في حالة المواجهة العسكرية مع الغرب، فإيران من أقطاب العالم الأساسية في إنتاج الغاز الطبيعي التي تعتبر تركيا من الدول المستوردة له.

والجوار الجغرافي بين الطرفين يحتم على تركيا أن تستغل هذه الفرصة الاقتصادية مع إيران لصالحها؛ فإيران تلعب على حبل شد تركيا إلى جانبها بإغرائها بالفوائد الاقتصادية التي يمكن أن تستفيد منها تركيا من جراء التقارب مع إيران في مقابل تجاهل الكثير من السياسات الإيرانية.

وفي العراق يقف الجميع مشاهداً لما تفعله الولايات المتحدة في ذلك البلد العربي. فالولايات المتحدة بلد محتل للعراق، أما العرب والدول الخليجية بالذات بقت خارج تلك المعادلة وكأن لا شأن لهم بما يحدث في العراق. الولايات المتحدة تسعى إلى تقنين وجودها في العراق وإيران تعمل على تثبيت مكانتها هناك.

فالمنطقة الخليجية أصبحت ساحة للمنافسة بين عملاقين إقليميين هما الولايات المتحدة وإيران، فكلاهما يعمل على إذكاء الصراعات واستغلال التحديات الداخلية والإقليمية من أجل توفير الأرضية الملائمة لتثبيت هيمنته على منطقة الخليج العربي.

في المقابل تتصرف دول الخليج وكأنها خارج هذه اللعبة السياسية تماماً؛ ويبدو من المشهد الخارجي ان دول الخليج العربية غير معنية بكل هذه التحديات التي تفرضها عليها دول الجوار،.

أو قد يرجع هذا التصرف وفقاً لرؤية الخبراء العسكريين بأن دول الخليج العربية تعتمد على الوجود الأميركي لتوفير حماية أمنية لها في حالة إذا نشبت حرب في المنطقة لأنها واثقة ان نشوب أي حرب خليجية ثالثة سيكون طرفيها الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية إيران الإسلامية وهي لا تريد أن تزج بنفسها في طرفي هذه المعادلة رغم الفاتورة الصعبة التي ستدفعها في حالة نشوب الحرب.

كما أن حالة الانكفاء السياسي التي تعيشها دول الخليج العربية في هذه الفترة قد تفسر أيضاً بأنها جزء من حالة عامة تشمل الدول العربية التي تنأى بنفسها عن لعب أي دور سياسي يذكر على الساحة العربية أو الإقليمية، فها هي فلسطين والعراق والسودان وموريتانيا كلها دول عربية تعج بالكثير من المشكلات ولكن لا نجد العرب متحمسين للعمل مع مثل تلك الدول لحل مشكلاتها.

وفي الأخير لا بد لنا من التذكير بأن منطقة الخليج العربي تدخل اليوم دوامة خطيرة فلا يمكن عزلها عن ما يدور من حولها في الإقليمي والعالمي، فالتوغل الروسي في جورجيا واحتدام المواجهة الجديدة بين روسيا والولايات المتحدة لن يصب في صالح المنطقة الخليجية على الإطلاق بل سيضر بها لأنه قد يدفع الروس للوقوف في مواجهة الولايات المتحدة بشكل علني أو غير علني، وعندها ستلتهب فرص المواجهة في المنطقة الخليجية.

لذلك فإن التحديات الإقليمية ومعها الدولية تفرض على المنطقة الخليجية أن تكون لديها سياسة خارجية أكثر قوة ووضوحاً مما هي عليه اليوم من ضبابية في التعامل مع أخطر التحديات الإقليمية التي تواجه المنطقة الخليجية، فسياسة حوار الحضارات والثقافات التي بدأت تنتهجها بعض الدول الخليجية وتجعلها بنداً أساسياً في أجندة سياستها الخارجية وما يتبع هذه السياسة من مواقف يبدو عليها الاستحياء والتأدب اعتقد أنها لم تثمر عن نتائج مرغوبة في التعامل مع الأطراف الإقليمية.

وذلك على الرغم من المزايا الأخلاقية العظيمة التي تحملها والتي اشتهر بها أهل المنطقة، يبدو أن السياسة اليوم تحتاج إلى قوة وجرأة وشجاعة ويا حبذا لو تكون قوة نابعة من الداخل أي قوة ذاتية مما يعني تقليل الاعتماد على الأجنبي في توفير الحماية.

كاتبة إماراتية

f_mansouri78@hotmail.com