لم تكن الحماقة غير المحسوبة جيداً التي ارتكبها الرئيس الجورجي ساكاشفيلي سوى عود ثقاب، في حقل جففته الرغبة الأميركية في السيطرة على النظام العالمي الجديد الذي نشأ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي السابق، وحلف الناتو، والمنظومة الاشتراكية في نهاية ثمانينات القرن الماضي.
خلال العشرين عاماً الماضية على نهاية النظام الدولي ثنائي القطبية، اعتقد مفكرو الرأسمالية أن الاشتراكية قد انهارت إلى غير رجعة، وأن التاريخ قد أثبت أفضلية النظام الرأسمالي، الذي تنفتح أمامه الكرة الأرضية وفضاؤها الخارجي، ليتواصل تقدمه، وهيمنته على مقدرات الشعوب والأمم، ومضت الولايات المتحدة تفتتح الأقطار وتتجاوز الجغرافية القومية، لتبني أمجاد إمبراطورية الألفية الثالثة.
الولايات المتحدة نجحت في اختراق الاستراتيجيات والدفاعات التي ظلت تستعصي عليها خلال الحرب الباردة، إلى أن وصلت بنفوذها إلى الحدائق الخلفية لروسيا، التي احتفظت بترسانتها النووية، وقدراتها العسكرية الهائلة، فيما راحت تعيد بناء اقتصادها، لكي يتكيف مع متطلبات نظامها الجديد.
لا يتصل الأمر بعودة الاشتراكية، وإنما بالنظام الدولي متعدد الأقطاب، فلقد تمكنت روسيا من استعادة حيويتها وبلورة استراتيجيات دفاعية ذات طابع سياسي اقتصادي عسكري، يمكنها ليس فقط من وقف تقدم نيران الناتو نحو حدودها، وإنما للبدء بسياسة ارتدادية ذات طابع هجومي دفاعي.
حتى وقت قريب أبدت ولا تزال تبدي الولايات المتحدة إصراراً على تطبيق استراتيجية الدرع الصاروخي، متجاهلة التحذيرات الروسية التي رفضت التطمينات الأميركية، وكانت تلك الاستراتيجية ومازالت تستهدف تطويق ومحاصرة روسيا كأولوية والصين لاحقاً، بحيث يمكن إبعاد خطر أي تهديد صاروخي أو نووي عن أراضيها، والتصدي عن قرب لأية تهديدات روسية محتملة.
تذكرنا هذا الاستراتيجية باستراتيجية حرب النجوم التي طرحها الرئيس الأميركي الراحل دونالد ريغان، وكانت تنطوي على تهديد بعسكرة الفضاء، ولكنها انتهت في حينه بسبب ارتفاع تكاليفها وأيضاً التهديدات السوفيتية.
على أن استراتيجية الدرع الصاروخية تنطوي على احتمالات عملية قابلة للتحقق، وتشمل أراضي القارة الأوروبية، بما في ذلك وأساساً الدول الاشتراكية السابقة والتي أصبحت أعضاء في الاتحاد الأوروبي، وفي حلف الناتو.
إذاً فتصاعد التوتر والصراع الدولي، كان على درجة من النضج والتبلور بحيث يمكن توقع انفجاره في أي لحظة وفي أماكن كثيرة محتملة.
هنا أخطأ ساكاشفيلي الحساب، حين وفر لروسيا الذريعة والحافز، لإبلاغ الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، رسالة قوية، مباشرة، وعملية على بداية نهاية النظام الدولي أحادي القطبية.
فخلال ثماني وأربعين ساعة فقط كانت القوات الروسية قد تجاوزت أراضي أوسيتيا الجنوبية، والزحف نحو أراضي جورجيا لتفرض سيطرتها لاحقاً على ثلث أراضيها.
ربما يعتقد البعض أن التدخل العسكري الروسي، يأتي كرد فعل متأخر قليلاً على القرار الأميركي، الأوروبي الذي عارضته روسيا بشأن استقلال إقليم كوسوفو، وذلك بخلق ظروف مناسبة لتحقيق انفصال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، فضلاً عن تهديد النظام الجورجي، الذي سعى في وقت سابق لنيل عضوية الناتو لكنه لم يحصل عليها.
في الحال واستثماراً للظرف، أقدمت الولايات المتحدة على توقيع اتفاقية نشر الدرع الصاروخي مع بولندا، غير أن ردود الفعل الروسية الغاضبة من شأنها أن ترسم أكثر من علامة شك حول إمكانية تطبيق تلك الاتفاقية، والحال أيضاً ينطبق على إمكانية انضمام جورجيا للناتو رغم وعود المستشارة الأميركية بهذا الشأن ووعود الناتو.
الرد الروسي على التصريحات الأميركية والغربية على خلفية أحداث الصراع الروسي الجورجي، جاء قوياً وحاسماً مرة أخرى، إذ أعلن نائب رئيس هيئة أركان الجيش الروسي أن بلاده قد تستخدم أسلحتها النووية، وأن بولندا قد وضعت نفسها هدفاً للنيران الروسية.
مثل هذه التصريحات والردود عليها من قبل الولايات المتحدة، وحلفائها الغربيين، تنتمي إلى زمن الحرب الباردة، بل ان التوتر لم يصل إلى هذا المستوى إلا خلال أزمة الصواريخ في كوبا.
في هذا الإطار يخطئ من يعتقد أن ما جرى ويجري على الساحة الروسية الجورجية مجرد أزمة محدودة الأبعاد، يمكن تجاوزها، والأرجح أنها بداية مرحلة من الصراع الدولي متعدد الأقطاب، ذلك أن المواقف الأوروبية والأميركية قد لا تكون متطابقة إزاء التحرك الروسي الجديد، والأمر يتعلق بتشابك مصالح العديد من دول أوروبا مع روسيا.
المهم في هذا الأمر أن قرب ميدان الصراع من روسيا، لا يعني بأي حال أن منطقة الشرق الأوسط ستظل بعيدةً عن الصراع النشط بين القوتين الأعظم، بل ان فيها من الملفات المأزومة ما يفتح الشهية على حروب وأزمات وصراعات ذات أبعاد دولية وإقليمية. هل يمكن أيضاً أن يندرج في السياق ذاته استعداد مؤسسة التعاون العسكري الروسية لتزويد سوريا بمنظومات متقدمة من الأسلحة؟
كاتب فلسطيني
