أعادت أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 الولايات المتحدة إلى أجواء الحرب بعد مرور عقد من السنين على انتهاء الحرب الباردة ساد فيها تفاؤل عالمي بالتخلص من هواجس اندلاع حرب نووية.
أعادت تلك الأحداث إلى ذاكرة المسؤولين الأميركيين الضربة اليابانية المفاجئة التي تعرضوا إليها في بيرل هاربر في مطلع أربعينات القرن المنصرم والتي قادت الولايات المتحدة إلى دخول الحرب العالمية الثانية بكل ثقلها السياسي والعسكري لتتمكن في نهايتها من توجيه أكبر ضربة انتقامية في تاريخ الحروب في مسرحين كبيرين في اليابان: هيروشيما وناكازاكي أركعت اليابان وأنهت الحرب.
أفرزت نهايات الحرب الباردة وضعاً فريداً من نوعه في التأريخ الحديث وهو انفراد الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة بالدور السيادي في العالم، مما فتح المجال واسعاً أمام الباحثين من أكاديميين وسياسيين إلى شحذ المخيلة وتوظيف المنطق لوضع التصورات والتنبؤات حول مستقبل العالم خلال هذه الحقبة التي اتسمت بخصائص ما أطلق عليه تسمية النظام العالمي الجديد.
والآن وبعد ما يقرب من عقدين من السنين على النظام العالمي الجديد لم تتوقف الولايات المتحدة خلالها عن تطوير قدراتها العسكرية ولم تعمل على تخفيض الميزانية السنوية الضخمة للبنتاغون أثارت خلالها المخاوف التي انطفأ بعضها بنهاية الحرب الباردة وأصبح لزاماً عليها أن تواجه الأوضاع الجديدة بسياسات غير مجربة عرضة لأن تجرها إلى مزالق تضعف من دورها على المسرح العالمي وتضعف من مصداقيتها في نظر حلفائها.
الولايات المتحدة ترسم سياساتها الخارجية وفق محورين حسب ما ورد في المقالة الأخيرة التي نشرتها وزيرة الخارجية الأميركية كوندليزا رايس في العدد الأخير، يوليو ـ أغسطس، من مجلة شؤون خارجية:
1 ـ شراكة في القيم مع حلفائها الإستراتيجيين في أوروبا والتي تنتمي وإياهم إلى منظومة قيم انبثقت من الأطر الثقافية التي تميز بها الغرب. وهي شراكة ذات طابع إستراتيجي بعيد المدى رغم وجود خلافات ثانوية الأهمية في المصالح.
2 ـ شراكة في المصالح مع القوى الكبرى: روسيا والصين ومع القوى الناهضة: الهند والبرازيل.
وتعتبر الولايات المتحدة بأن علاقاتها مع حلفائها في أوروبا وآسيا وأميركا بمثابة أعمدة النظام العالمي الجديد الذي تسعى إلى الحفاظ عليه وإدامة استقراره.
إلا أنها بدأت تواجه صعوبات في إدامة هذا النظام وبدأت تتحسس بوادر المخاطر القادمة وهي ترى الوهن يتسرب إلى قبضتها. فهي تواجه في إطار النظام العالمي الجديد مواقف أكثر صعوبة في التعامل معها مما كان ابان فترة الحرب الباردة، فالتعامل مع القوى الكبرى، روسيا والصين، قد أصبح فيه الكثير من التعقيد والحساسية ودخلت فيه أبعاد جديدة مهمة لم تكن موجودة في الماضي.
كان أحد أبرز الأهداف الأميركية عند نهاية الحرب الباردة هو تدمير روسيا وجعلها دولة كسيحة غير قادرة على النهوض لأمد طويل، وهذا ما حصل فعلاً على مدى السنوات التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفييتي حين أصبحت الدولة الروسية هزيلة مثيرة للرثاء في عهد بوريس يلستين الذي استشرى فيه الفساد ومارست فيه المافيات عمليات نهب ثروات البلد وتفكيك الدولة وتدمير الاقتصاد بشكل منظم تحت شعار الانتقال إلى اقتصاد السوق.
إلا أنه ومع صعود الزعيم الروسي فلاديمير بوتن أعادت روسيا رسم مسارها من جديد لتعود قوة كبرى من نوع آخر لا تستطيع الولايات المتحدة أن تحاربها بنفس الأسس والمنطلقات القديمة، ولا تتمكن من فرض الحصار عليها أو حشد التحالفات ضدها تحت شعارات أيديولوجية كما حصل في القرن الماضي.
روسيا الحالية قوة لم تعد الدول الأوروبية قادرة على تطويقها واحتوائها كما كان الحال في الماضي، فمعظم دول أوروبا الغربية تحتاج إلى مصادر الطاقة الروسية مما أضعف من دور الوصاية الأميركية على سياسات هذه الدول، كما أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على استخدام البعبع الذي استخدمته ببراعة في الماضي وهو التخويف من خطر انتشار الشيوعية.
روسيا الحديثة دولة تتعامل مع الآخرين بالطريقة التي تتعامل بها بقية دول العالم وهي المصالح وليس لديها أفكار غير مرغوبة للتصدير.
وقد أبانت الأحداث الأخيرة التي جرت بين روسيا وجورجيا الفوارق المهمة في اللغة المتفهمة التي استخدمها الأوروبيون في التعامل مع هذه الأزمة مقارنة باللغة المتشنجة التي استخدمها الرئيس بوش ووزيرة خارجيته.
لقد أصبح لروسيا دور مهم في اقتصاد أوروبا، فعلى سبيل المثال فإن مؤسسة غازبروم التي تمتلكها الدولة الروسية والتي بحوزتها ثلث احتياطيات الغاز في العالم تزود دول أوروبا الغربية بما يساوي ربع حاجاتها من الغاز، وهو مقدار ليس من السهل البحث عن مُجهز آخر له أو المجازفة بخسارته.
أما الصين فموضوع آخر يقلق بال الولايات المتحدة، فمقارنة بين موقفين في عهدين مختلفين توضحان بجلاء موقع الصين سابقاً وحالياً في الخارطة الذهنية لصناع القرار في الإدارة الأميركية.
الموقف الأول يبدو فيه وزير الخارجية الأميركي دين راسك يتجاهل يد رئيس الوزراء الصيني شو إن لاي المبسوطة لمصافحته عام 1950 خلال لقائهما في مؤتمر باندونغ، والموقف الثاني في العاصمة الصينية بكين قبل بضعة أيام حيث وقف الرئيس الأميركي، إلى جوار الرئيس الصيني، وهو غير قادر على إخفاء ما ارتسم على وجهه من انبهار وهو يشهد الافتتاح الأسطوري للأولمبياد الذي استضافته الصين.
الصين قوة عظمى أصبح اقتصادها أحد أكبر اقتصادات العالم، وليس من المبالغة القول إن الغرب والولايات المتحدة نفسها غير قادرة على الاستغناء عن المنتجات الصينية التي يندر أن يخلو منها مكان في العالم. ويشهد الاقتصاد الصيني أكبر نسبة نمو في العالم مقابل تراجع ملحوظ في الاقتصاد الأميركي عكس نتائج خطيرة على أسعار صرف الدولار أمام بقية العملات.
ليس أمام الولايات المتحدة سوى اعتماد سياسة الاحتواء لإغلاق مسارات التقدم أمام القوى الكبرى وإدامة انفرادها في المسرح العالمي كقوة عظمى في المرحلة القادمة التي يبدو أنها تحمل خصائص الحرب الباردة. إلا أن ذلك لا يبدو أمراً ميسوراً في ضوء معطيات العصر الحالي خاصة وأنها قد فشلت على مدى السنوات الست الماضية في احتواء إيران منذ برزت الشكوك حول النوايا التي تكمن خلف برنامجها النووي.
كاتب عراقي