على الرغم من التصريحات التي أدلى بها نيكولا ساركوزي أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية وأكّد فيها أنه سوف يقوم بسحب القوات الفرنسية المرابطة في أفغانستان فإنه اتخذ قرارا معاكسا تماما بعد أن تمّ انتخابه رئيسا وأرسل إلى هذه البلاد ما بين 800 و1000 جندي فرنسي إضافي.فما هي الأسباب الكامنة وراء مثل هذا التحوّل؟

من المفيد أولا التذكير أن أفغانستان قد جذبت منذ فترة طويلة انتباه القوى الغربية. الولايات المتحدة متواجدة في المنطقة منذ عقد السبعينات الماضي بغية الوقوف في وجه الاتحاد السوفييتي آنذاك ثم وبعد انهياره بغية الحدّ من النفوذ الروسي أو الإيراني والانفتاح الاقتصادي على الجمهوريات المستقلّة الجديدة في آسيا الوسطى.

لقد تعددت آنذاك خطوط نقل النفط »البيبلاين« التي أنشأتها خاصة شركة »اونوكال« الأميركية عبر التفاوض مع جميع السلطات القائمة في المنطقة، بما في ذلك مع نظام طالبان في أفغانستان سابقا.

لكن التوترات المتعاظمة مع طالبان منعت تنفيذ خط أنابيب إستراتيجي انطلاقا من بحر قزوين والتوجه نحو منطقة الخليج ومرورا بأفغانستان وباكستان. وزادت الضغوط من قبل واشنطن على نظام كابول خاصة بعد عمليات القصف التي أمر بها الرئيس كلينتون بعد التفجيرين اللذين استهدفا سفارتي أميركا في نيروبي ودار السلام.

وكانت تفجيرات 11 سبتمبر قد سمحت للولايات المتحدة، من موقع الدفاع المشروع عن النفس، بالتخلّص سريعا من نظام طالبان مدعومة بتحالف دولي كبير.

الملفت للانتباه أنه اعتباراً من شهر ديسمبر 2001 جرى التوقيع على اتفاق للانطلاق بمشروع خط الأنابيب بين تركمنستان والباكستان وأفغانستان.وجرى تعيين زلمـاي خليل زادة، المتعاون السابق مع شركة »اونوكال«، مبعوثا خاصا للولايات المتحدة في كابول من قبل الرئيس بوش.

كما فرضت واشنطن حميد كرزاي كرئيس انتقالي وهو أيضا من المتعاونين سابقا مع نفس الشركة »اونوكال«...إن المنطقة تفوح منها بالفعل رائحة قوية للنفط.

إذا كان الانتصار على طالبان يسيرا فإن قرار الولايات المتحدة الإبقاء في أفغانستان على الآلاف من العسكريين أدّى سريعا إلى النظر إليهم كقوات احتلال من قبل قسم كبير من الأفغانيين. مثل هذا الوضع سمح لاحقا لحركة طالبان تعزيز مواقعها تدريجيا في أفغانستان والاستفادة من الدعم الملموس لقسم من السكان، خاصة بعد عام 2005.

اعتباراً منذئذ بدأ التحالف الذي يستظل بالحلف الأطلسي بالانغماس في مزايدات عسكرية لا تتأقلم مع إستراتيجية »الحرب غير المتكافئة«التي تتبناها حركة طالبان. وفي مثل ذلك السياق ازداد عدد قوات التحالف من 40000 جندي عام 2004 إلى 60000 عام 2007 .

لكن هذه الزيادة لم توقف تدهور الوضع العسكري لتلك القوات . هذا ما دلّت عليه الزيادة الكبيرة في الخسائر البشرية وانتشار الهجمات الانتحارية والعداء المتعاظم لدى شرائح من السكان أمام تكثيف عمليات القصف الجوّي.

في مثل ذلك السياق أيضا بدأ التحالف الأجنبي بالانقسام، فالكوريون الجنوبيون قرروا الانسحاب والكنديون هددوا بمغادرة البلاد وبدا موقف إيطاليا وألمانيا مترددا.

لقد طلبت الولايات المتحدة من فرنسا الدعم المستعجل . ولم يتردد جورج دبليو بوش في توجيه الشكر للجواب الإيجابي جدا من قبل الرئيس نيكولا ساركوزي. وفيما هو أبعد من الجانب العسكري البحت كان ذلك يمثّل بوضوح انحيازا سياسياً للرئيس الفرنسي إلى جانب واشنطن.

على صعيد الشكل أولا من الغريب أن الرئيس ساركوزي أعلن قراره أمام البرلمان البريطاني المعروف بانحيازه القوي للولايات المتحدة .

وعلى صعيد المضمون، من الملفت للانتباه على الأقل أنه لم يتم أي نقاش في فرنسا حول مقاصد وأهداف وجود قوات احتلال في أفغانستان ولا حول الأسباب الداعية إلى أن يكون هذا الاحتلال خاضعا لإدارة الحلف الأطلسي .

هذا في الوقت الذي يبدو فيه من المشروع والضروري التساؤل حول الوظيفة الأساسية لوجود الحلف الأطلسي في هذه البلاد.

إن قرار الرئيس ساركوزي يصبغ في الواقع الشرعية على التوسيع السياسي والجغرافي لمهمات الحلف الأطلسي الذي كان في البداية منظمة ذات توجهات دفاعية صرفة ومقصورة على المنطقة الأوروبية .

ثم إن إلحاح إدارة بوش على شن حرب شاملة ضد الإرهاب ـ الذي لم يتم التوصل أبدا إلى تعريف مشترك له يقبل فيه الجميع ـ معروف للجميع . ومما قد يثير الأسف خاصة هو أن الحكومة الفرنسية قد سارت على نفس النهج دون أن أية ذهنية نقدية.

وبالإضافة إلى الثمن المالي للعملية فإن الثمن السياسي ضخم بالنسبة لفرنسا التي فقدت استقلالها السياسي حيال هذا الملف وحيث ليس هناك ما يبرر وجودها في أفغانستان. ثم إن رفض إدارة بوش التصدّي للجذور الاجتماعية والسياسية للإرهاب والاكتفاء بتطوير رؤية عسكرية أظهر محدودية فاعليته وشكّل خطأ منهجيا فادحا. ومن المؤسف أن الرئيس ساركوزي لم يستخلص النتائج من ذلك.

إن الوضع غير مقبول أكثر خاصة في ظل الاختلال الواضح في التوازن بين الجهد العسكري والمساعدة المدنية. فمنذ عام 2001 جرى تنظيم العديد من المؤتمرات الدولية وبلغت قيمة المبالغ الموعود بها 25 مليار دولار.. لكن لم يصل منها واقعيا سوى 15 مليارا.

تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة هي في هذا المضمار صاحبة الرقم القياسي في الوعود التي لم يتم الوفاء بها. إذ لم تدفع سوى 45 بالمائة من المبالغ التي كانت قد التزمت بدفعها.

وفي نهاية عام 2007 كان قد جرى إنفاق حوالي 85 مليار دولار على الصعيد العسكري مقابل 7 مليارات للمساعدة المدنية المباشرة للأفغانيين. ذلك أن المساعدة المدنية يتم استثمارها غالبا تبعا لاحتياجات الغربيين وكنفقات تسيير مشاريع على حساب التنمية الاقتصادية لبلد لم يعد ينتج سوى الأفيون.

ربما حان الوقت الذي ينبغي فيه على المجموعة الدولية أن تعيد النظر في السياسة المتبّعة حيال أفغانستان . وإرسال 1000 جندي فرنسي إضافي لن يساهم في إيجاد حل إيجابي للتحديات المعقّدة التي تطرحها هذه البلاد.

كاتب ومحلل سياسي فرنسي ــ باريس

professorrabie@yahoo.com